القاضي عبد الجبار الهمذاني

317

المغني في أبواب التوحيد والعدل

شبهة أخرى لهم قالوا : كيف يجوز أن يكل صلى اللّه عليه أعظم الأمور إلى غيره ولا يتولاه بنفسه ؟ وقد أمر وندب إلى الوصية ، وأوجب أن يتولاها بنفسه في الأمور الحقيقية ، فكيف يجوز فيما هو أعظم منه أن يهمله ؟ وهذا يدل على بطلان التعبد بالاختيار وإثبات النص . وهذا بعيد ؛ لأن الّذي ثبت في الشريعة أن الواجب أن يوصى من عليه دين أو حق ، وفي عنقه وصية ، أو ولد طفل ، ومن يجرى هذا المجرى . فأما من ليس هذا حاله لم يثبت أن الوصية واجبة عليه ولا أنه رغب فيها . وعلى هذا / الوجه روى عن كثير من الصالحين وقد نبهوا على الوصية أنهم وصوا بتقوى اللّه ، وعدلوا عن الوصية في أموالهم . وإذا كان تعالى قد بين مواضع المال وحدها « 1 » ، فهو مستغن « 2 » عن الوصية إذا لم يكن عليه حق على ما قدمناه . فأما الوصية بالولايات فلم يثبت الشرع بأنها واجبة ؛ لأنه إنما يكلف أن يقوم بالأمر ما دام ممكنا ، فعند الموت لا يلزمه ذلك بل لا يمتنع أن يرد السمع بحظر ذلك والمنع منه ، وعلى هذا الوجه بينا الشرع بما رويناه أنه عليه السلام لم يستخلف وأن أمير المؤمنين عليه السلام قال وقد سئل عن ذلك : « أترككم كما ترككم رسول اللّه : فإن كان فيكم خير جمعكم اللّه على خيركم ، كما جمعنا على خيرنا أبى بكر » إلى غير ذلك مما تقدم القول فيه .

--> ( 1 ) يمكن أن تكون ( وحدها ) ويمكن أن تكون ( وحدها ) بتشديد الدال . ( 2 ) في الأصل ( مستغنى )