القاضي عبد الجبار الهمذاني
260
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأحد ما يدل على ذلك ما قد ثبت من إجماع الصحابة في بيعة أبى بكر ؛ لأنه بايعه الواحد برضى أربعة على ما تقدم ذكره ، وقد علمنا بإجماعهم من بعد بأنه صار إماما من أول ما عقد له ، وبالسبب الّذي تقدم ، ولا بد من سمع ثابت عندهم يقتضي أنه يصير إماما بذلك ؛ لأنه لا يجوز وقد حصل له الإجماع فيه أن يحمل على المحسب ؟ ؟ ؟ « 1 » ولا أن يقال : إن طريقه الاجتهاد ؛ لأن المعاذير الجارية هذا المجرى لا مجال للاجتهاد فيه ، « 2 » فلا بد من سمع ، لكنه لا يجب نقله « 3 » ؛ لأنه استغنى بالإجماع عنه ، وسقط بذلك
--> ( 1 ) كذا في الأصل ( 2 ) كذا في الأصل ولعلها ، ( فيها ) ( 3 ) إني لا أكاد أسيغ القول بإهدار المصدر الأصيل الّذي هو السمع ، استغناء بالإجماع الّذي نتج عنه ؛ إني أعلم أن الإجماع نفسه دليل ، ولكن إذا كان لا بد من اعتماده على سمع ، كان من السمع بمثابة الفرع من الأصل ، وكيف تسوغ مناهج التفكير أن يهمل مصدر الرأي وأصل استمداده ، اكتفاء بالرأي نفسه الّذي ليس إلا مظهرا لهذا الأصل ، وقد تكون له مظاهر أخرى سواه ؟ ثم إن وجوب الوقوف في التطبيق عند حدود الإجماع ، ليس يعنى وجوب الوقوف في التفكير عند هذه الحدود . ومن ذا الّذي يملك أن يحول بين الناس وبين دراسة مصدر الرأي الّذي أجمع عليه ، ليقولوا إن هذا المصدر لا يحتمل سوى هذا الرأي الّذي أجمع عليه ، إذا كان لا يحتمل رأيا غيره ؛ أو ليقولوا إنه يحتمل غيره ، ولكن يجب الوقوف في التطبيق عند حدود ما أجمع عليه لأن الإجماع سلطة تملك ترجيح رأى على رأى ؟ من ذا الّذي يملك أن يأخذ على الناس هذه السبل التي فيها راحة لمشاعرهم وتطمين لخواطرهم ، وتثبيت لعقيدتهم ؟ ثم أليس السمع الّذي يعتمد عليه الإجماع ، هو الكتاب أو السنة ؟ ومن ذا يجرؤ أن يهون من قيمة الكتاب والسنة ، ويجعل نقلهما وتناقلهما ، ليسيرا مع الناس جيلا بعد جيل ، غير واجب ؟ فإن قالوا : إن صيانة الكتاب والسنة ليسيرا مع الناس جيلا بعد جيل شيء ، ووجوب ذكر مأخذ الإجماع من الكتاب والسنة إلى جانب الإجماع ، شيء آخر غيره . قلنا لهم : إذن فأنتم تريدون الناس على أن يرددوا الكتاب والسنة ترديدا كما تردد الببغاء ما تسمع . فإذا كانت صيانة الكتاب والسنة واجبة ، وكانا هما مصدر الإجماع الواجب الاتباع ، فلما ذا لا يربط بينه وبينهما بخيط ، فيقال : إن مصدر الإجماع على كذا وكذا من الأحكام ، هو كذا وكذا من كتاب اللّه وسنة نبيه ؟ ليتقرب الناس إلى اللّه بفهم معاني الكتاب والسنة ، إلى جانب تقربهم إليه بصيانتهما من الضياع والنسيان ، ولترتبط لديهم الغايات بالوسائل ، فإن صيانة الكتاب والسنة من الضياع والنسيان وسائل غايتها القريبة أو البعيدة - على خلاف بين من يقول : إن غاية الغايات هي المعرفة ، ومن يقول : إنها العمل - هي فهمهما وتفهمهما ، فالفصل بين الإجماع وبين مصدره فصل للغايات عن الوسائل .