القاضي عبد الجبار الهمذاني

23

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : كذلك ، نقول ، ولا يمتنع في اللطف أن يعم كل التكليف ، وكل المكلفين ، كما يقولونه في المعرفة باللّه تعالى ، إلى غير ذلك . قيل لهم : لم نقل : إن هذه المعرفة لطف إلا بدليل ، فبينوا أن مثله من الأدلة قائم فيما ذكرتم من الإمامة ، ليتم ما ذكرتم ، وإلا فقولكم مطّرح . وقد بينا في باب المعرفة الوجه الّذي له تكون المعرفة بتوحيد اللّه وعدله لطفا لجميع المكلفين ، وبينا الفصل بينها وبين معرفة النبوات ، وذلك يبطل ما يتعللون به في هذا الموضع . ولا فرق بين من قال : الإمامة لطف ، وبين من قال مثله في الإمارة ، وسائر « 1 » من يقوم بشيء من أمر الدين ، وبين من يقول ذلك في إمام واحد ، وبين من يقول في إمامين وأئمة . وبعد ، فإن اللطف ليس هو عين الإمام ولا شخصه ؛ لأنه في هذا الوجه لا يتبين من غيره ، وإنما هو كونه إماما ، ولا بد من أن يكون معلوما للمكلف ، حتى يكون مزاح العلة ، وذلك يؤدى إلى الوجوه التي قدمناها من الفساد . وقد قالوا : المعرفة بالإمام لطف ، وقد مكن جميع المكلفين من ذلك . وقد « 2 » أريناهم أن ذلك لا يمكن والإمام واحد ؛ لأن في حال ظهور إمامته بنص أو معجز ، لا يمكن جميع المكلفين أن يعرفوا ما به صار لطفا ، وذلك يوجب أن العلة فيهم غير مزاحة ، ولا بد عند ذلك من الرجوع إلى الإلهام في بعض المكلفين ، وذلك يقتضي وجوبه في سائرهم ، ويؤدى إلى ما ذكرناه من الفساد . وبعد ، فإن العلم بكونه إماما فقط ، ليس هو اللطف ؛ لأنه لو علمه إماما ، ولم يعرف من قبله ما يؤديه ، كان في حكم من لا يعرفه . فقد كان يجب - على هذا القول - أن يتمكن كل مكلف من معرفة الأمور من قبله .

--> ( 1 ) في الأصل هكذا ( سائر ) . ( 2 ) كلمة ( وقد ) زادها المصحح في الهامش ولكنه كتب معها في الهامش كلمة ( أريناهم ) مع وجودها في الأصل .