القاضي عبد الجبار الهمذاني
179
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وقد قيل : إن قوله : « أنت منى بمنزلة هارون من موسى » لا يجوز حمله على الولاية ، لأنه لم يثبت لهارون ولاية قط على وجه ينفصل من النبوة . / فإذا استثنى عليه السلام النبوة تعلق بالاستثناء ما لا ينفصل منها ، وذلك بأن يدل على أن أمير المؤمنين لا تكون له الولاية ، والإمامة أولى . واعلم أنه لا يمتنع أن يكون استخلاف موسى لهارون محمولا على وجه يصح لأنه سبب للقيام بالأمر كما أن النبوة سبب لذلك ، وليس يمتنع في كثير من الأحكام أن يحصل فيها سببان وعلتان ؛ فإذا علمنا أنه لولا النبوة لكان له أن يقوم بالأمر لمكان الاستخلاف ، ولولا الاستخلاف لكان له أن يقوم بالأمر لمكان النبوة ، فقد أفاد « 1 » الاستخلاف ضربا من الفائدة ، فإن انضاف إلى ذلك أن يدخل في الاستخلاف ما لا يكون له أن يقوم « 2 » لمكان النبوة ، فهو أقوى في باب الفائدة ، ولسنا نعلم كيف كانت حال موسى وهارون فيما يتعلق بالإمامة ، وكيف كانت الشريعة في ذلك ، ولا يعلم أيضا أن حالهما في النبوة إذا كانت متفقة أن حالهما أيضا فيما يقوم به الأئمة متفقة أيضا ، بل لا يمتنع أن يكون لأحدهما من الاختصاص ما ليس للآخر ؛ كما لا يمتنع أن لا يدخل في شريعتهما ما تقتضيه الإمامة . وإذا كانت الحال في هذا الباب مما يختلف بالشرائع ، فإنما « 3 » نقطع على وجه دون وجه بدلالة سمعية لم يصح الاعتماد على ذلك . والّذي يجب أن نقطع به لا محالة أنه إذا كان نبيا مع موسى ، ولا بد من أن يتحمل شريعة متجددة أو يتحملان « 4 » شريعة بعد ظهور المعجز عليهما متجددة ، ولا يجب من حيث اشتركا في النبوة أن تكون شريعة أحدهما شريعة الآخر . وإذا جاز ذلك
--> ( 1 ) في الأصل ( أفادا الاستخلاف ) ( 2 ) كذا في الأصل ولعلها ( يقوم به ) ( 3 ) كذا في الأصل ولعلها ( فإن لم ) . ( 4 ) لعها ( أو يتحملا ) .