القاضي عبد الجبار الهمذاني
172
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قيل : فما المراد عندكم بهذا الخبر قيل له « 1 » : إنه عليه السلام لما استخلفه على المدينة ، وتكلم المنافقون فيه ، قال هذا القول دالا على لطف محله منه وسكونه إليه ، واشتداد ظهره به ليزيل ما خامر القلوب من الشبهة في أمره ، وليعلم أنه عليه السلام إنما استخلفه لهذه الأحوال التي تقتضى نهاية الأ « 2 » والأغلب في العرف والعادة أن الإنسان إنما يستعمل ذكر المنزلة بمعنى المحل والموضع ، لأنه لا فرق بين قول القائل : فلان منى بمحل فلان من فلان ، وبين قوله : بمنزلة فلان من فلان ، وقد علمنا أن الظاهر من ذلك الموقع في القلب في الاختصاص والسكون والاعتماد ، دون ما رجع إلى الولايات . فيجب أن يكون الخبر محمولا على ذلك بشهادة التعارف وبشهادة السبب له . فإن قال : إن كان المراد ما ذكرتم فما الوجه في استثناء النبوة من هذا القول ، وليس لها به تعلق ؟ قيل له : إن المتعالم من حال هارون أنه كان موقعه من قلب موسى لمكان النبوة أعظم ، وإن النبوة أوجب مزية في هذا الباب ، في السكون وفي سائر الوجوه ، فقد يجوز لو لم يستثن عليه السلام النبوة أن يوهم أن منزلة أمير المؤمنين عليه السلام تماثل هذه المنزلة ، فأراد أن يبين باستثنائه النبوة أنها مقصرة عن هذه المنزلة القدر الّذي يقتضيه في نبوته ، فهذا كما يقول أحدنا لرفيع المحل في قلبه : إن محلك ومنزلتك منى محل ولدى وإن لم يكن له بولد . وإنما يستعمل ما يجرى مجرى الاستثناء التوهم « 3 » . فعلى هذا الوجه أجرى قوله صلى اللّه عليه هذا القول ، وهذه منزلة شريفه لأمير المؤمنين تكاد تزيد على منزلة الإمامة . ويبين أن المراد ما قلناه أنه صلى اللّه عليه أثبت المنزلة في الوقت فيجب أن يحمل الكلام عليه .
--> ( 1 ) الأولى حذف ( له ) . ( 2 ) هكذا الكلمة في الأصل ناقصة . ( 3 ) كذا في الأصل .