القاضي عبد الجبار الهمذاني
171
المغني في أبواب التوحيد والعدل
منفردا كحالة موسى . ذلك يبطل ما ذكروه ، فقد صح أن لكل واحد منهما بانفراده أن يؤدى ويقوم بهذا الأمر « 1 » وإذا صح ذلك ، فلو عاش بعده كان يقوم بها بحق القوة « 2 » ، لا بحق الاستخلاف . فإن قالوا : « 3 » إن كونه نبيا يقتضي أن ينفرد بأداء الشريعة لموسى ، ويكون لكل واحد منهما بانفراده حكم الأداء . فأما ما يتصل بالحدود والأحكام ، فليس له أن يقوم به منفردا حتى يستخلفه موسى . قيل له : « 4 » فيجب مثله في موسى ، وهذا يؤدى إلى أن يكون كل واحد منهما خليفة للآخر ، فيكون موسى خليفة لهارون عند غيبته ، على من غاب معه ، كما أن هارون خليفته على قومه . وذلك يبطل أن يكون لموسى مزية وأن تضاف منزلة هارون إلى موسى ؛ لأنه ليست بأن يضاف هارون إلى موسى بأولى منها أن يضاف موسى إلى هارون ، فلا بد عند ذلك من القول بأن لكل واحد بانفراده أن يقوم بهذه الأمور ، وذلك يصحح ما قلناه ، أنه لو عاش لكان يقوم بذلك بحق النبوة ، لا بحق الاستخلاف ، كما أن موسى بعد وفاة هارون قام بذلك لحق النبوة ، لا بحق الاستخلاف . وبعد فلو صح أن لا يكون له أن لا يقوم بذلك / إلا في حال الحياة ، إلا عند استخلاف موسى ، فقد صح ما قدمناه من جواز أن يبقى بعد موسى ولا يكون له القيام بذلك ، بأن يجعله موسى إلى غيره ؛ لأنه إذا جاز في حال حياته أن ينفرد بأداء الرسالة ، دون القيام بالحدود والأحكام إلى أن يأذن له موسى ، فقد صار القيام بذلك مما لا تقتضيه النبوة ، فإذا لم تقتضه ، فما المانع مما ذكرناه من أن يكون لو عاش بعده أن لا يكون له القيام بذلك ؟ وذلك يسقط ما عولوا عليه من تقدير هذه المنزلة لهارون من موسى .
--> ( 1 ) في الأصل ( بهذه الأمور . . . ) ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها ( النبوة ) ( 3 ) في الأصل ( فان قال . . . ) ( 4 ) كذا في الأصل ولعل الأولى ( لهم )