القاضي عبد الجبار الهمذاني

167

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد فإنه يقال لهم : إذا كان سبب الاستخلاف الغيبة ، فما أنكرتم أنها إذا زالت زال الاستخلاف بزوالها ويكون اللفظ وإن كان مطلقا في حكم المقيد ؛ لأن السبب والعلة فيما يقتضيانه أقوى من القول فيما حل هذا المحل ، وعلى هذا الوجه جرت العادة من النبي عليه السلام أنه كان يستخلف بالمدينة عند الغيبة الواحد من أصحابه ، فإذا عاد زال الاستخلاف ، كما روى في ابن أم كلثوم وعثمان وغيرهما . يبين ذلك أن استخلافه في حال الغيبة ، يقتضي أن خليفته في حال دون حال ، وفي موضع دون موضع ؛ لأنه لا يجوز أن يكون خليفته في الموضع الّذي غاب إليه ، وإنما يكون خليفته في الموضع الّذي غاب عنه . فلو قلنا : إن ذلك يقتضي كونه خليفة بعد موته ، لاقتضى أن يكون خليفة في الكل ، واللفظ الأول يقتضيه ، وهذا يبين أن ذلك لا يقع إلا مقيدا ، على أنه يقال لهم : إن هارون لو عاش بعد موسى لكان الّذي يثبت له أن يكون كما كان من قبل ، وقد كان من قبل له أن يقوم بهذه الأمور لنبوته ، فيجب إذا لم تبطل نبوته بموت موسى أن يكون له أن يقوم / بذلك ، فإن كنتم توجبون لعلى عليه السلام مثل ذلك ، فيجب أن يكون بعد موته عليه السلام حاله كما كان ، وقد علمنا أنه لم يكن إماما في حياة النبي عليه السلام ، ولا كان له أن يقوم بهذه الأمور على الوجه الّذي يقوم به الإمام ، فيجب أن يكون حاله بعد موته كما كان ؛ لأن هذه المنزلة هي التي كانت لهارون من موسى . يبين ذلك أنه في حال حياته كان له أن يقوم بهذه ، والحال حال شركة ؛ فبأن يكون له أن يقوم بذلك في حال وفاته أولى . وإنما ثبت ذلك له على الحد الّذي كان ، لا على وجه مخالف له ، فيجب مثله لعلى عليه السلام . هذا بأن يقتضي نفى الإمامة أولى من أن يقتضي إثباتها . وبعد فلو ثبت لعلى عليه السلام بالاستخلاف ما يقتضي كونه بعده إماما ، لوجب أن يكون له أن يقيم الحدود وسائر ما يقوم به الأئمة في حياته عليه السلام من غير إذن