القاضي عبد الجبار الهمذاني

135

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد فمن أين أن المراد بالثاني أمير المؤمنين ، وظاهره يقتضي الجميع ؟ وليس يجب إذا روى أنه عليه السلام تصدق وهو راكع أن لا يثبت غيره مشاركا له في هذا الفعل ، بل يجب بالأثر أن نقطع على غيره بذلك وإن لم ينقل ؛ لأن نقل ما جرى هذا المجرى لا يجب . وبعد فمن أين أن المراد بقوله : « وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ » « 1 » ما زعموه ، دون أن يكون المراد به : ويؤتون الزكاة وطريقتهم التواضع والخضوع ؛ ليكون ذلك مدحا في إيتاء الزكاة فأخرج حالهم من أن يؤتوها مع المن والأذى ، وعلى طريق الاستطالة والتكبر ، فكأنه تعالى مدحهم غاية المدح فوصفهم بإدامة الصلاة ؛ وبأنهم يؤتون الزكاة على أقوى وجوه القربة ، وأقوى ما تؤدى عليه لزكاة ما ذكرناه . وليس من المدح إيتاء الزكاة مع الاشتغال بالصلاة ؛ لأن الواجب في الراكع أن يصرف همه ونيته إلى ما هو فيه ولا يشتغل بغيره ، ومتى أراد الزكاة فعله « 2 » تاليا للصلاة ، فكيف يحمل الكلام على ذلك ؟ ولأن يحمل على ما يمكن فيه توفية العموم حقه معه أولى مما يقتضي تخصيصه . وبعد فليس في الآية إلا إثبات الذين آمنوا وأنالنا « 3 » ولا يمنع ذلك كون غير من ذكر بهذه الصفة ؛ لأن إثبات حكم لواحد لا ينفيه عن غيره . فإن كان المراد بالآية أمير المؤمنين ، فمن أين أنه المختص بها دون غيره ؟ وهذا أبعد من دليل الخطاب الّذي تعلق به بعض الفقهاء ؛ لأنهم يتولون تعليق الحكم بصفة الشيء ، يدل على أنه إذا لم يكن بتلك الصفة ، بخلافه ، ولا يوجبون ذلك في غيره ما دخل تحت الخطاب . ونحن لم نقل : إن أمير المؤمنين ليس يولى ، فمن أين أن غيره لا يشركه في ذلك ؟

--> ( 1 ) الآية رقم 55 من سورة المائدة ( 2 ) لعل الأولى ( فعلها ) . ( 3 ) كذا في الأصل .