القاضي عبد الجبار الهمذاني
99
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : فجوز مثل ذلك في النهى الوارد بعد الأمر ؛ على أن الّذي ادّعاه يوجب أن النهى إذا اقترن بالأمر كان ناقضا له ، فإذا لم يصح أن يقال ذلك ، بل وجب أن يقال : إنه دل به على أن المراد بالأمر ، غير ما تناوله النهى ، فكذلك القول في الواقع بعده ؛ هذا على تسليم ما توهموه من أن الأمر يستغرق ، وليس الأمر كذلك ، لأن الأمر المطلق لا يقتضي إلا إيقاع ذلك الفعل فقط ، ولا يقتضي التكرار ، وكذلك النهى المطلق ، لأنهما يحلان محل الإثبات والنفي ؛ فإذا كان قول القائل : وقع الضرب ، لا يدل على العدد ؛ وكذلك إذا قال : لم يقع ، فيجب أن يكون الأمر والنهى بمنزلته ، لأن الأمر لغيره بأن يضرب ، كأنه قال له : افعل ما تسمى معه ضاربا ، ولا يتناولان الأوقات ، فالظاهر من الأمر أنه إنما لا يقتضي فعل مرة إلا بدلالة ، فكيف يقال : إنه قد استغرق فعل المكلف أبدا ، حتى يبنى على ذلك أن النهى الوارد بعده يتناول نفس ما يتناوله الأمر . فإن قالوا : إنا لم نتعلق بالأمر المطلق وإنما تعلقنا بالأمر المنبئ على الدوام والتكرار ؛ وهو أن يقول : افعلوا أبدا ، وتمسكوا به دائما ، إلى غير ذلك من الألفاظ ويزعم أن شريعة موسى عليه السلام وردت كلها هذا المورد ، لأنه قد ثبت عنه أنه قال : تمسكوا أبدا بشريعتى ، إلى غير ذلك . قيل له : ومن أين أن لفظة التأبيد إذا دخلت في الأمر والنهى اقتضت ما ذكرته ، فإن ادّعى أن اللغة تقتضيه ادّعينا نحن أن العرف منع منه ، والعرف أقوى من اللغة ، لأنه يرد على اللغة فيغير حكمها ؛ على أنا لا نسلم ما ادّعاه في اللغة ، لأن لفظة التأبيد لم يستعملوها في هذا الباب إلا وأرادوا بها التوقيت والغاية ، لأن الواحد يقول لصاحبه : لازم فلانا أبدا ، وتعلم العلم أبدا ، واحضر عندي