القاضي عبد الجبار الهمذاني

38

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ذلك أدّى إلى أن يجوز على من تعرف حاله كل أمر يقدر عليه ، وقد علمنا باضطرار خلاف ذلك ، لأن من نعرفه بالاختبار أنه من أهل الرأي والحزم والعقل ، وجربناه على طول الوقت ، لا يجوز عليه مع سلامة الحال أن يشوّه بنفسه ، وأن يقدم على الأمور المستخفة ، وإن كان قادرا عليه ؛ وإن كنا نجوز ذلك على من لا نعرف ذلك من حاله ، وتصير معرفتنا عند الاختبار لحال الغير مثل معرفتنا بحالنا فيما نعرف ونعلم أنا لا نختاره ، أو لا نختاره مع سلامة الحال ، ولولا أن ذلك كذلك لجوّزنا على أهل الفضل أن يسلكوا طريقة أهل النقص ، في قطع الطريق ، وسائر وجوه الفساد ، والعلم بأن ذلك ممتنع والحال سليمة ، يجرى مجرى كمال العقل ، فإذا صح ذلك لم يمتنع إذا اختبرنا أحوال الجماعة أن نعرف فيما يمتنع منهم « 1 » وما لا يمتنع ، مثل ما نعرفه من حال الواحد اختبرنا حاله ، وليس لأحد أن ينكر ما قلناه : من أن العلم بذلك ضروري عند الاختبار ، فإذا علمنا بالاختبار حال جماعة مخصوصة ، لم يمتنع أن نعلم أن غيرها بمنزلتها . باليسير من التأمل ، كما لا يمتنع أن نعلم أن حالهم في المستقبل كحالهم في الأوقات الماضية ، باليسير من التأمل ، وهذه طريقة معروفة لا يجحدها من يعرف أحوال نفسه ، وأحوال غيره ؛ وعلى هذا الوجه نعلم أن لا يتفق من الواحد أن يصدق فيما لا يعلمه من الأمور الكثيرة ، لأنا بالتجربة نعلم أنه لا يصدق فيما يخبر عنا ؛ ثم كذلك حالا بعد حال ، فنعلم أن امتناعه بمنزلة امتناع الفعل المحكم على القادر الّذي ليس بعالم ، وإن كنا في هذا الباب لا نحتاج إلى الاختبار الطويل ، كما نحتاج فيما ذكرناه من الأخبار ؛ وكل ذلك بين عند التأمل . وهذه « 2 » الجملة نافعة لمن تدبرها ، لأنها كالأصول في الأخبار ؛ وقد أوردنا ما يحتمله هذا الموضع ، وأنت تجد شرح ذلك فيما يجب شرحه من بعد إن شاء اللّه .

--> ( 1 ) في « ط » منها . ( 2 ) في « ص » « في هذه » ، ولا يتسق مع كلمة « نافعة » في كل من « ص » و « ط » .