القاضي عبد الجبار الهمذاني

378

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في أن المتشابه قد يعلم تأويله ، والمراد به ، وما يتصل بذلك اعلم . . أن الأولى في معنى قوله تعالى وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، أن يكون عطفا على ما تقدّم ، ودالا على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله ، بإعلام اللّه تعالى إياهم ، ونصبه الأدلة على ذلك ؛ فيكون قوله تعالى : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ دلالة على أنهم برسوخهم في العلم ، يجمعون بين الاعتراف ، والإقرار ، وبين المعرفة ، لأنه تعالى مدحهم بذلك ، ولا يتكامل مدحهم إلا بضم الإيمان والتصديق ، وإظهار ذلك ، إلى المعرفة بتأويله . . يبين ما قلناه : أنهم لو كانوا لا يعرفون تأويله ، حالهم وهم راسخون في العلم كحال غيرهم ، في أنهم يعترفون بأنه من عند اللّه ، ويؤمنون به ، فلا تكون لهم مزية على غيرهم ، والكلام يدل على أن لهم مزية . . ويبين ذلك قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ، هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ ؛ فكيف صح في المحكم أن يكون أصلا للمتشابه ، وليس له معنى يستدل بالمتشابه عليه ؛ فلا بدّ من أن يكون له تأويل يدل عليه المحكم ، ولا يكون كذلك إلا على ما قلناه . . يبين ذلك أنه تعالى قال فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ، فذم أهل الزيغ لأنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة ؛ فلا بدّ من صحة اتباعها ابتغاء الحق ؛ ذلك لا يكون إلا ويصح معرفة معناها ؛ ويدل على ما قلناه : أنه تعالى لا يجوز أن يخاطب بكلام إلا ويريد به أمر امّا ، فالمتشابه في ذلك كالمحكم ، وإلا لم يكن لان يخاطبهم بلغة العرب معنى ؛ وكان لا فرق بينه وبين سائر اللغات ؛ فإذا كان قول من يقول :