القاضي عبد الجبار الهمذاني

350

المغني في أبواب التوحيد والعدل

من هذه الشبهة دفع القوم العلوم المكتسبة ، بأن أوجبوا حمل المعارف بعضها على بعض ؛ فكما لا يجب ذلك فيها ، ولا في طريق العلوم الضرورية ، فكذلك القول في الأدلة ؛ ولا بدّ فيها من الترتيب الّذي ذكرناه . ومما يبين صحة ما ذكرناه : أن الكلام في الشاهد يكون أمارة ، لما يريده المتكلم ، إذا لم يعلم مراده باضطرار ، ويكون أمارة للأمر المراد ؛ وقد علمنا أن كونه أمارة في القوّة والضعف ، يختلف بحسب علمنا واعتقادنا ، في حال المتكلم ؛ فإذا قوى عندنا أنه ممن لا يلبس ، ولا يكذب ، قوى في كونه أمارة ؛ فلو لم يكن من حقه أن يدل إذا علم من حال المتكلم ما وصفنا لم يجب أن يقوى الظن عنده ؛ لأن كونه أمارة في هذا الوجه كالتابع لكونه دلالة ، أو لكونه طريقا للعلم . فإن قال : بينوا أنه لو علم في الشاهد من حال المتكلم ، أنه لا يفعل القبيح ، ولا يريده ، أن كلامه يكون دلالة ، ليتم ما ذكرتم . قيل له : لأن المواضعة قد خصصت الكلام ، بما جعل عبارة عنه ، والمتكلم للإفادة يتكلم به ؛ فإذا لم يجب أن يفعل القبيح فلا بدّ من أن يريد ما وضع له ، إذا تجرّد ؛ لأنا لو لم نقل ذلك لوجب نقض بعض ما تقدّم ذكره ؛ أما المواضعة فتخرج عن الاختصاص إلى الاشتراك ، أو تقتضى أنه فعله لحاجة به لا للإفادة ، أو على وجه يقبح ، بأن يكون كذبا ، أو ما يجرى مجراه ، فإنما يسلم ما قدّمناه متى جعلناه دلالة على ما وضع له ، فكأن المواضعة أثرت في الكلام ، بأن اختص ضربا من الاختصاص ، وكونه مجرّدا عن قرينة حقق ذلك فيه ، وأزال الشركة ؛ وكون المتكلم غير محتاج أخرجه من أن يكون مفعولا ، لضرب من الحاجة إلى أن يكون مفعولا على الخبر الّذي وقعت المواضعة عليه ، وكون فاعله ممن لا يفعل