القاضي عبد الجبار الهمذاني
348
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : إنما كان يصح ما ذكرتم لو ثبت في الكلام أنه يدل في الشاهد . فأما إذا لم يثبت في ذلك عقلا ، من حيث لا يعلم من حال أحد أنه لا يفعل القبيح ، فمن أين أنه يدل ؟ قيل له : إذ ثبت له وجه معقول ، يدل عليه لم يجب خروجه ، من أن يكون دلالة ، بأن لا يدل في الشاهد ، من جهة العقل ، كما لا يجب إذا لم يدل قبل المواضعة أن لا يدل بعدها ، ولم يخرج من كونه دالا ، من جهة العقل ، لأمر يرجع إليه ، لكن لأننا لا نعلم تكامل شروط دلالته عقلا في المتكلم منا ؛ ولو علمنا ذلك لدل ؛ فلو علمنا تكاملها في القديم تعالى فيجب أن يكون دالا . . يبين ما قلناه : أنه قد صار في الشاهد طريقا لمعرفة المقاصد ، باضطرار ، بعد المواضعة ، ولم يكن كذلك من قبل ، ولم يجب أن يقال : إذا لم يكن كذلك قبل المواضعة لم يصح ذلك فيه بعدها ؛ فكذلك وإن لم يدل في الشاهد ، من حيث لم تتكامل شروط دلالته ، فلا يجب أن لا يدل في الغائب ، وشروطه متكاملة ؛ وإنما يجب أن ينظر إلى الشروط ، التي ذكرناها ، لو عرفناها عقلا ، في المتكلمين ، أو بعضهم : هل كان يجب إذا لم يضطر إلى مقاصدهم ، أن يكون دالا ؟ فإن علمنا ذلك من حالهم فيجب أن يكون دالا على مراد القديم تعالى ؛ ولا يجب أن يطعن فيما قلناه ، بأن لا يدل في الشاهد ، مع فقد شروط دلالته ؛ وإنما كان يجب الطعن لو لم يدل في الشاهد ، والشروط متكاملة ، وهذا متعذر ؛ لأنا كما علمنا بدلالة المعجزات من حال الرسول ، فيما يؤدّيه ، أنه لا يجوز عليه القبيح والتلبيس ، صار الكلام منه دالا ؛ فلو عرفنا ذلك عقلا ، في بعض العباد لوجب أن لا تختلف دلالته ؛ ومثال ذلك ما علمناه عقلا ، من أن ما يتعذر حدوثه منا يدل على فاعل