القاضي عبد الجبار الهمذاني

331

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أحدهما : يصدر عن علم ؛ والآخر : عن ظن وتبخيت « 1 » واتفاق ؛ فما هذا حاله قد علمنا أنه لا يجوز أن يتفق فيه الصدق ، على التفصيل ، وعلى طريقة واحدة ؛ وإنما يقع الصدق في قليل ، حتى يجرى في باب مجرى تعذر الكتابة ممن لا علم له بكيفيتها ؛ وإنما يتفق وقوع اليسير ، في جملة ما ليس بمحكم ؛ ولهذه الجملة صح الاستدلال بالمحكم من الأفعال ، على علم فاعله ، وصح الاستدلال بوقوع الأخبار الكثيرة ، عن الأمور المفصلة صدقا ، على علم المخبر عنه ؛ وقد علمنا أن القدر الّذي يعرفه العباد ، من الأمور المستقبلة لا يبلغ هذا الحد ؛ لأنهم إنما يعلمون ما جرت العادة بمثله ، كحدوث البرد والحر في أوقاتهما ، والثمار والزرع ، وسائر ما يعرف أهل الفلاحة ؛ وهم إنما يعرفون ذلك ، على جهة الجملة من غير تفصيل ؛ وعلى جهة التقريب ، في كثير منه ، من غير تحقيق . وكذلك القول فيما يتعاطاه الأطباء : أنه مبنى على عادات لهم ؛ وأكثره يرجع فيه إلى غالب الظن ؛ فأما المنجمون فإنما يعرفون وقوع أشياء على الجملة ، عند حدوث أمور في النجوم والفلك ؛ وإنما تقع الإصابة منهم في أمور ، على الجملة ، أو في أحوال قوم ، دون غيرهم ، على طريقة الشرط ؛ وإنما تعدّ إصاباتهم التي هي قليلة ، من كثير أحكامهم وأخبارهم ، في وجوه مخصوصة ؛ وقد علمنا : أن العادة لم تجر في وجه من الوجوه التي قدمنا ذكرها . أن يصدق الإنسان ، فيما يخبر عن أفعالهم المفصلة ، إذا خلوا في منازلهم وعن ضمائرهم ، وعما يختاره الجمع أو الآحاد ، إلى غير ذلك ، مما تضمنه إخبار القرآن ، ووجد مخبره على ما تناوله ؛ فيجب أن يكون في ذلك دلالة على نبوته

--> ( 1 ) التبخيت : من عبارات المتكلمين ، ويعنون به الاعتقاد الواقع على سبيل الابتداء من غير نظر في شيء ؛ وأخذه عنهم فقهاء ، فقال بعض الشافعية ، في اشتباه القبلة : إذا لم يمكنه الاجتهاد صلى على التبخيت - من « كشاف اصطلاحات الفنون » ، للتهانوى ؛ - باب الباء ، فصل التاء - بتقديم وتأخير فقط ؛ والسياق يوضح المعنى ، إذ وضع « التبخيت » بين الظن والاتفاق .