القاضي عبد الجبار الهمذاني

322

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فان قال : إنه يكون معجزا للنظم فقط ، ولكونه على هذه الطريقة المباينة لمنظوم كلامهم ومنثوره ، وإن لم يختص برتبة الفصاحة ؛ فالذي قدمناه يبطله ؛ ومتى اعتبر في كونه معجزا كلا الأمرين ، فإن أراد أن بمجموعهما يتم ذلك فقد بينا : أنه قد يتم بأن يبين من كلامهم ، برتبة عظيمة في الفصاحة ؛ وإن أراد أنه يؤكد ذلك فهو صحيح ، وهذا هو الأقرب ؛ لأنهم لا يريدون النظام دون رتبة الفصاحة ؛ وإنما يريدون بذلك أنه تعالى جاء بالقرآن على أوكد الوجوه في نقض العادة والمباينة ، وأوكدها أن يكون نظاما مباينا لما تعارفوه ، مع رتبته العظيمة ، في الفصاحة ؛ وهذا بين . فأما قول من يقول : إنه معجز ، وإن لم يكن له مزية في رتبة الفصاحة ، والحال في الكلام أن يتفاضل ، وجعل الجميع جنسا واحدا ، وطريقة واحدة ، ولم يجز أن يتعذر على الفصحاء ، بعضه دون بعض ، فقد بينا من قبل فساد مذهبهم ، ودللنا على أن العلم بذلك من حال العرب ، واعترافهم بعظم شأن القرآن ، يجرى مجرى الضرورة ، فالتعلق بذلك بعيد ؛ وبينا : أنه لو كان كذلك لما كان معجزا ؛ لأنه من جنس ما يقدرون عليه ، وتمكنهم مساواته . فان قالوا : إنا نجعله معجزا ، وإن كان كذلك لصرفه إياهم ، عن المعارضة ، فقد بينا من قبل : أنه لا يجوز أن يكونوا ممنوعين من الكلام ، بأن دللنا على أن المنع والعجز لا يختص كلاما دون كلام ، وأنه لو حصل ذلك في ألسنتهم لما أمكنهم الكلام المعتاد ، والمعلوم من حالهم خلاف ذلك . وبينا : أن هذا الوجه لو صح لم يوجب كون القرآن معجزا ؛ وكان يجب أن يكون المعجز منعهم ، من فعل مثله ، كما أنه تعالى لو جعل دلالة نبوته ، صلى اللّه عليه وسلم ، أن يتمكن من مشى أو كلام ، أو تحريك يد ، في حال يتعذر على جميعهم مثله ، لقد كان ذلك معجزا ،