القاضي عبد الجبار الهمذاني

307

المغني في أبواب التوحيد والعدل

بحسب الدواعي ، وكثرة الأصحاب ، إلى غير ذلك ؛ وكل هذه الوجوه تبطل كل ما يسألون عنه في هذا الباب . واعلم . . أن أفعال العباد إنما يظهر الفضل فيها من جهة التفاضل بالقدر والآلات ، أو من جهة التفاضل في العلوم ؛ وقد علمنا أن العادة في القدر والآلات جارية ، على طريقة متقاربة ؛ وبينا : أن حال الملائكة عليهم السلام ، في الآلات ، وإن كانت تباين حال المعتاد فيما بيننا ، فذلك مما لا يمنع من كون العادة واحدة ؛ لأن العادة إنما تعتبر ، فيما نعلم من هذه الأحوال ، دون ما لا نعلم ، على ما تقدّم القول فيه ؛ ولا بدّ فيما يكون معجزا من ذلك ، أن يخرج عن طريقة العادة ؛ ولا بدّ فيما يقع من العباد ، وإن ظهر الفضل فيه ، أن لا يخرج عن طريقة العادة ؛ فأما ما يتعلق بالعلوم فليس يخرج عن أقسام : - فمنها : ما يجرى مجرى المحفوظ المحكى ، الّذي يحصل العلم ، من غير تعمل ، بل للاختلاط والعادة ، وعلى طريق التلقين ، كما نعلمه من حال تعلم اللغات . ومنها : ما يحصل العلم فيه بابتداء المواضعة والمواطأة ؛ بأن تجتمع الجماعة فيتواضعوا ، فتصير تلك الطريقة معروفة معلومة ، ومعلوم كيفية استعمالها ، وتصير كالآلة بالمواضعة ، ولم تكن من قبل كذلك ؛ وهذا يقارب طريقة الاستنباط . ومنها : ما يكون العلم يحصل بالممارسة والتكرر ، كالحفظ ، وكالمعرفة بالصنائع ، وكالعلم بمخبر الأخبار إلى ما شاكله ؛ فإذا كان هذا العلم مما يمكن معه القيام ببعض الأحوال ، فطريقه ما ذكرناه ، فإن كانت هذه الصنائع مما يبتدئها العباد ، على طريق ما ذكرنا ، في ابتداء المواضعات ، حل فعلهم لذلك محل ابتداء المواضعة .