القاضي عبد الجبار الهمذاني
301
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وأحد ما اعتمد عليه في هذا الباب : أنهم اعترفوا للقرآن بالتقدم ، في قدر الفصاحة والمزية ، وظهر ذلك عنهم فعلا ، وقولا ؛ ولولا تعذره عليهم ، وخروجه عن العادة لم يعترفوا بذلك ؛ لأن الجماعة العظيمة ، فيما يتجلى الأمر فيه ، لا يجوز أن تكذب [ فيما تخبر به « 1 » ] إذا كان المخبر مخبرا واحدا ؛ وقد ثبت ذلك ، في باب « الأخبار » ؛ وهذا الاعتراف بيّن ، ممن استجاب ، وممن خالف ثم استجاب ، ومن كثير ممن بقي على خلافه . . وقد بينا : أن قول قائلهم لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا لا يخالف ما قدمناه . . وبينا : أن الواحد قد يجوز أن يكابر ، وأن حاله مفارقة لحال الجماعة . فإن قيل : جوزوا أن يكون الوجه في اعترافهم بما ذكرتموه ، تقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه ، في الفصاحة ؛ على ما روى عنه ، أنه قال : أنا أفصح العرب ولا فخر ، فلمزيته حصل للقرآن مزية . قيل له : فقد كان يجب أن يعترفوا له بذلك ليبلغوا به مرادهم ، في إبطال أمره ؛ لأن اعترافهم بمزية القرآن يوجب الاعتراف بكونه معجزا ، واعترافهم بأن مزيته لأجل فصاحته يوهن حاله ، ويقتضي أن مزيته لا لإعجازه ، لكن لتقدمه في الفصاحة ؛ فلو لم يضق ذرعهم بالقرآن ، واضطروا إلى الاعتراف ، بما ذكرناه ، لخروجهم عن العادة ، لوجب أن يضموا إلى هذا الاعتراف ، أنه إنما اختص بهذا العمل ، لأنه من قبله ، صلى اللّه عليه ، وهو أفصح الجميع ؛ فلما لم يفعلوا ذلك ، مع سهولته ، ومع أن فيه إبطال حاله ، علم أن اعترافهم بفضل القرآن ، هو على الوجه الّذي ذكرناه . فإن قال قائل : انما لم يعترفوا بذلك تنافسا ، وأنفة ؛ كما أن بعضهم لم يعترف بمن تقدمه في الشعر ، وغيره ، على هذا الوجه .
--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .