القاضي عبد الجبار الهمذاني
297
المغني في أبواب التوحيد والعدل
أهل هذا اللسان ، هو الدلالة ؛ فإذا أمكنهم معرفة ذلك فحالهم في أن الحجة قائمة عليهم ، كحالهم لو عرفوا تعذر المعارضة ، من قبلهم ، لو كانوا من أهل الفصاحة ؛ وهذا أولى من قول من يقول : إنهم يعلمون أنه إذا تعذر على من تقدّم ، فهو أولى بأن يتعذر عليهم ؛ لأن تعذر ذلك عليهم ليس هذا طريقه ؛ لأنهم يعلمون ذلك ، سواء تعذر على من تقدّم ، أو لم يتعذر ؛ فالواجب أن يجرى الكلام على الطريقة التي ذكرناها . فإن قال : أفليس النبىّ ، صلى اللّه عليه ، قد تحدّى الجنّ كما تحدّى الإنس ؟ فيجب أن لا نعلم كون القرآن معجزا إلا بعد أن نعلم تعذر المعارضة ، على الجنّ ؛ فإذا لم تمكن معرفة ذلك إلا بعد معرفة النبوّة ؛ ومعرفة النبوّة لا تعلم إلا بعد معرفته ، فيجب أن تعرف نبوته عليه السلام . قيل له : قد بينا أنا نعتبر ، في كون القرآن ناقضا للعادات ، العادة المعروفة ، دون ما لا نعرفه من العادات ؛ فإذا لم يكن لنا في العقل طريق ، إلى معرفة الجنّ أصلا ، لأنهم لا يشاهدون ، ولا تعرف أحوالهم بغير المشاهدة ؛ فيجب أن لا تعتبر أحوالهم وعاداتهم ؛ لأن اعتبار العادة فرع على معرفة أهل العادات ؛ فإذا صح ذلك ، وعلمنا أنه لا معتبر بذلك ، فقد كفانا في معرفة كون القرآن معجزا ، بخروجه عن عادة من تعرف عادته ؛ ثم إذا علمنا بذلك صحة نبوّته ، وخبرنا صلى اللّه عليه ، بالجن وأحوالهم ، وأنهم كالإنس ، في تعذر المعارضة عليهم ، علمنا أن حالهم كحال العرب لأن العلم بإعجاز القرآن موقوف على هذا العلم . . يبين ذلك : أنه ، صلى اللّه عليه ، لو لم يخبرنا بالجنّ ، كنا لا نعلم إيمانهم أصلا ، وكان لا يقدح ذلك ، في العلم بأن القرآن معجز ؛ وكذلك القول ، في فقد المعرفة بحالهم ؛ ولولا الخبر الوارد كنا لا نقول : إن المعارضة متعذرة ، فكان لا يقدح ، في كون القرآن معجزا ؛ وكان يحل في ذلك