القاضي عبد الجبار الهمذاني
286
المغني في أبواب التوحيد والعدل
مزية القرآن ، لكن لاتباع الهوى ، أو لشبهة أخرى ، دخلت عليهم ، كدخولها على من نفى النبوات ، ويتكلم في بطلان دلالة المعجزات أصلا ، أو لأنهم استثقلوا النظر وبقوا على جملة التقليد ؛ فتكون حالهم في ذلك كحال من شاهد أدلة التوحيد والعدل مع ظهورها ، ونورد عليه طريقة الأدلة بأقوى بيان ، ثم يعدل عنه لبعض الأغراض ؛ ويبطل بذلك قولهم ؛ إذا عرف القوم ما ذكرتموه ، فيجب أن نعرفه نحن ؛ لأن من ساواهم في المعرفة بمقادير فصاحة الكلام يعلم ما علموه ؛ ولذلك نجد العلماء بالنحو واللغة يعرفون من فضل القرآن ، ومزيته ما لا يعرفه غيرهم ؛ فأما من كانت حاله دون حال العلماء ، فربما علم ذلك ، وربما قوى في ظنه ، أعنى « 1 » رتبة أحد الكلامين ، في قدر الفصاحة ، فأما مزية القرآن على غيره فإنا نعلمه بالخبر عنهم ، وإن كانوا علموه بطريقة الإدراك والعادة ، لأن العلم الضروري بالمدركات وأحوالها ، إذا حصل لهم ، ثم تواتر الخبر عنهم ، فلا بد من وقوع العلم الضروري لنا ، بمثل ذلك ، حتى لا ينفصل حال كون القرآن ومقادير سوره ، من حال مزيته ، في رتبة الفصاحة ، لأن جميع ذلك إذا علموه ، باضطرار ، وتواتر الخبر عنهم فلا بد من أن يقع العلم لنا بذلك باضطرار ؛ وإن كان هذا العلم يكون على جهة الجملة كسائر العلوم بمخبر الأخبار ، وعلمهم على طريقة التفصيل ؛ وليس هذا العلم هو العلم بأنه دلالة على النبوة ، حتى يقول قائل : فيجب أن يكون العلم بنبوة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، ضروريا ، وإنما هو علم بمزية القرآن ، في قدر الفصاحة ؛ ثم يحتاج بعد ذلك إلى ضرب من الاستدلال ، ليعلم أن ما هذا حاله يدل على النبوة ، كما يعلم بالخبر فلق البحر ، وأن له مزية على المعتاد ، من أفعال العباد ، ثم يستدل فيعلم أن ما هذا حاله يدل على النبوة ، ويعلم أن العرب كانت تعتقد
--> ( 1 ) لا تقرأ في كل من « ص » و « ط » إلا أعنى ، أو اغنى ؛ ولا يتجه به السياق في سهولة .