القاضي عبد الجبار الهمذاني
280
المغني في أبواب التوحيد والعدل
القرآن ، فقد علم العقلاء : أن المهم الّذي لا يعدل عنه ، التشاغل بالأمر الّذي هو الأصل ، دون الفرع المتعلق به . . يبين هذا : أنهم لو بلغوا المراد في هذا الأصل زال الخوف ، في توابعه ؛ وإذا بلغوا المراد في توابعه لم يحصل المراد ، ولا بطلت أحواله ؛ صلى اللّه عليه ؛ ولو أن عدوا من الكفار الحل « 1 » من أهل بلد ، ودعاهم إلى المحاربة ، وتوعدهم بالمغالبة ، على البلد والأحوال ، إن لم يأتوا بمثل كتاب أنشأه ، أو خطبة ارتجلها ؛ فغير جائز أن يكون في ذلك البلد ، من يتمكن من مساواته ، فيعدل عنه ، إلى المحاربة والمدافعة لأنها تابعة ، والتشاغل بالأصل أولى ؛ فكذلك القول ، في شأن القرآن ، بل الأولى في التمثيل : أن عالما ادعى التقدم على أهل زمانه ، لطريقة في العلم ، نال بها رئاسة ، ورفعة ، ورتبة ، وتحدى من نافسه بمثله ، من غير تخويف ، فغير جائز ، أن يتمكن من مساواته ، مع التنافس الشديد ، في الأمر الّذي نال به الرتبة ، فلا يفعله ، ويعدل عنه ، إلى أمر لا يتعلق بادعاء ذلك العالم المحل « 2 » ، ولا يليق به ؛ وهذه كانت طريقة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، حين ابتعثه اللّه تعالى ، لأنه صلى اللّه عليه ، كان يسلك طريقة الدعاء إلى اللّه تعالى ، وإظهار الإشفاق في الدين ، والنصيحة ، ويدعى النبوّة ، ويتحداهم بما اختص به ؛ فقد كان الواجب ، وقد اشتد التنافس ، وعظم الحال ، أن يهتموا بمساواته ، لو أمكنهم ، في الباب الّذي أظهر ادّعاء الرفعة لأجله ؛ وإنما سلك « 3 » ، صلى اللّه عليه ، طريقة المجاهدة والقتال ، بعد هذه الطريقة بزمان ، وبعد ما أقام الحجة ، ومكن في النفوس أن لا شبهة ، في الأمر الّذي يدعيه ؛ فوجب عند ذلك ، على طريق المصلحة ، المعاقبة .
--> ( 1 ) كذا في « ص » و « ط » ولعلها : الغرض يرمى إليه - حل بكسر الحاء على وزن فعل - لكن في « ط » ضمة يشتبه أنها للحاء ؟ . ( 2 ) في اللسان : المحل الّذي يحل لنا قتاله . ( 3 ) في « ص » يسلك .