القاضي عبد الجبار الهمذاني

269

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ومعارضة القرآن ، فقال : لقد سمعت الخطب ، والشعر ، وكلام الكهنة ؛ وليس هذا منه في شيء ؛ ثم فكر ونظر ، وعبس وبسر ، وقال : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ؛ ولو كان يتمكن من المعارضة لم يكن ليقول ذلك ؛ ولكان لهم أن يقولوا : إذا كان هذا السحر مما أتى به ، فما الّذي يمنع من مثله ؛ وكيف يجوز أن ينسب القرآن إلى أنه سحر إلا وقد ضاق به ذرعه وصدره ، حتى نسبه إلى أمر يعتقد القوم تعذره عليهم ! وإلى أنه إنما يمكن على طريق الحيلة من ذلك ! ؛ وكيف يجوز أن يظهر « لبيد » الزهد في قول الشعر ، وهو متقدّم فيه ، وفي الفصاحة ، عند القرآن ، ويتأمله ويقول : إن اللّه تعالى أبدله من الشعر سورة البقرة ؛ فإذا ثبت في القوم أنهم لم يخرجوا عن هذه الطبقات ، فكيف يصح أن يقال : إن معارضة القرآن كانت ممكنة لهم ، أو لبعضهم ، ولم يقدموا عليها ، مع شدة الحاجة إليها ، ومع أنها البغية ! ولئن جاز هذا ليجوزن ، في الشديد العطش ، والماء له معرّض ، أن يعدل إلى غيره مما فيه مشقة ، ولا يوصل به إلى المراد والبغية ؛ وما حل هذا المحل ينافي طريقة العقل ؛ فمن أجازه على القوم فقد نسبهم إلى أنهم كانوا بلا رأى ، ولا معرفة بالعادات ولا عقل ، ولا علم ؛ والعلم الضروري قد « 1 » ثبت بخلاف ذلك ، وصار الّذي ذكرناه ، كل واحد منها دلالة ، وإن كان مجموعها أقوى ؛ لأن المتعالم من حال الجماعة العظيمة : أنها لا تستجيب ، ولا تنقاد ، ولا تخضع لمن يدعى النبوّة والرئاسة ، إلى غير ذلك ، مما قدّمناه ، ويتم بمثل حاله في الوجه الّذي له ألزمهم ذلك ؛ وفيه ادعى الفضل عليهم ، من غير قهر وغلبة ، ولا أمر يزيل طريقة الاختيار ، كما عرفنا من حال من لم يستجب أنهم مع كثرتهم بذلوا المهج والأموال ، إلى غير ذلك ؛ ولا يجوز ذلك منهم ، مع تمكنهم من مساواته في الأمر ، الّذي ادّعى به الفضيلة

--> ( 1 ) في « ص » فقد .