القاضي عبد الجبار الهمذاني

267

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أمارته ، من نقصان عددهم ، وزيادة عدده ، وضعف حالهم ، وقوّة حاله ، لأجل عجزهم عن مساواته ؛ واقترن بذلك ما كان معهودا من طريقتهم ، وهو الحمية والأنفة ، والنفار مما يقتضي العار ؛ لأن حالهم في ذلك كان أبلغ من حال سائر الناس ، فيما يرد عليهم من هذا الباب حتى كان الواحد منهم يتحمل الأخطار العظيمة ، ليسير من الذم يلحقه في قرى وضيافة ، ويبذل المهجة في اليسير من عيب يلحقه ؛ ثم اقترن من بعد ذلك إيجاب الحدود والقتل وغيرهما ، لأجل ظهور نبوّته ، ومقامهم على مخالفته ؛ وكل ذلك مما يقوّى الدواعي ، لأنها أمور ظاهرة ، لا تصح فيها الشبهة ؛ فلا يمكن أن يقال : إنهم ذهبوا عن ذلك بسهو ، وغفلة ، وليس ، وشبهة . فإن قال : ومن أين أن هذه الدواعي [ دعتهم إلى إبطال أمره صلى اللّه عليه ، وتوهين حاله ، دون أن يكون داعية لهم إلى غير ذلك « 1 » ] . قيل له : لأنه ، صلى اللّه عليه ، لم يتحدّهم إلا بطريقة معروفة ؛ وهي طريقة النبوّة ، وإلزام الشريعة ؛ دون طريقة الغلبة والملك ، والقهر بالسلطنة ؛ لأنه حيث ادّعى النبوّة لم يكن له عدد ولا عدد ، ولا له من الحال ما يقتضي ادّعاء الملك ؛ وإنما ادّعى ما ذكرناه من النبوّة ، وجعل الّذي لأجله يلزم الانقياد ، العلامة والمعجزة ، وهي القرآن ؛ والّذي يدعو إلى إبطال أمره ، هو « 2 » الّذي يدعو إلى المعارضة ؛ لأن الإبطال المطلوب بها يقع دون غيرها ؛ وكل أمر حل هذا المحل فليس بجائز أن يخفى على العقلاء ، فيظنوا أن الدواعي إلى أحدهما ، دون الدواعي إلى الآخر ؛ بل العلم الضروري يقع بأن الأمر المطلوب واحد ؛ فمتى علمنا ، والحال هذه ، قوّة الدواعي إلى إبطال أمره ؛ أو علمنا قوّة الدواعي

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » . ( 2 ) في « ص » وهو .