القاضي عبد الجبار الهمذاني

265

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يقتضي تميز ما يقع منا على وجه يتعذر ، وما لا يقع على هذا الوجه . ولا فرق بين الأمرين إلا بأن يعلم أن مع توفر الدواعي ، وزوال الموانع ، وسلامة الأحوال لا يقع اختيارا ، وإنما لم يقع لتعذر ذلك ، فأما الشيء الّذي لا يقع اختيارا ، فإنما لا يقع لتغير أحوال الدواعي حتى يعلم أنه لو تغير لوقع ، ولولا أن الأمر كذلك لم نعلم أن الملجأ إلى الفعل يجب أن يقع منه ، ولا يصح أن نعلم تعلق الأفعال بالدواعي ، فإذا صحت هذه الطريقة ، وعلمنا من حال العرب أنهم مع توفر الدواعي إلى المعارضة ، وكونها مقدورة ، ومع زوال الموانع ، لم يأتوا بها ، فلا بد من القول بأن الوجه في ذلك ليس إلا تعذرها عليهم ؛ ولم نقل : إن كل فعل يقع أو يتعذر ، فهذا « 1 » حاله ، لأنا قد دللنا على : أن الساهي قد يفعل الأفعال ، والنائم ؛ وإنما المراد أن الفعل المتميز من غيره ، الّذي من حقه أن لا يقع إلا لغرض عند علامات ومقدمات ، فلا بد إذا لم يقع ، مع توفر الدواعي ، أن يكون ما وصفنا ؛ وليست المعارضة مما يجوز أن يقال فيها : إنها غير ظاهرة ؛ لأنها من أظهر الأمور وأجلاها ، مع ما تقدم فيها من التقريع والتحدّى ، وتكرار القول فيها ، حالا بعد حال ، والدواعي على ما ذكرناه متوفرة ، فيجب أن يدل ذلك على ما قدّمناه . فإن قال : ومن أين أن دواعيهم متوفرة ؟ ثم من أين أنها توفرت وقويت على وجه يخلص ، ولا يكون هناك مقابل ومعارض ؟ . ثم من أين أنهم عرفوا : أن المخلص مما قرعوا بالعجز عنه معارضة القرآن ، دون غيره ؟ مع تجويز أنهم اعتقدوا أن غيره يسد مسدّه ، فيما هو البغية والطلبة ؟ ثم من أين أنه لم يشتبه عليهم ، أن معارضة القرآن لا تؤثر ، وأن غيره هو المؤثر ، أو أقرب إلى التأثير ؟ .

--> ( 1 ) في « ص » هذا .