القاضي عبد الجبار الهمذاني

262

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فأما التعلق بما ذكره اللّه تعالى عن « أبى حذيفة بن المغيرة » أنه قال لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى قوله : وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ . وقولهم : إنه قد أتى بذلك ، وهو قدر سورة قصيرة ، فقد أتى بمثل القرآن ، فكيف يصح أن يقال : إنهم لم يعارضوه ، فبعيد ؛ وذلك لأنه تعالى خبر عن معنى كلامه ، دون اللفظ ، لأنه لا يمتنع في الحكاية أن تكون مرة باللفظ ، ومرة بالمعنى ؛ ويدل على ذلك أنه وغيره لم يعارض القرآن ولم يكثر منه ، ولم يحتجوا بذلك عليه ، وهذا كما حكاه عن القرون الماضية ، وإن كانت لغاتهم بخلاف لغة العرب . وبعد . . فلو ثبت أنه حكى باللفظ لوجب أن لا يكون معجزا ، لأن المعجز من القرآن ما هو من قبله تعالى ، فكان لا يقدح فيما نقوله ؛ وإن كان ذلك غير صحيح . . وبعد . . فلو كان كذلك لكان ذلك مناقضا لآيات التحدي ؛ لأنه كان يجب في القرآن أن يكون دالا على أن « 1 » الإنس والجن ، لا يأتون بمثله ؛ ودالا على أن بعضهم قد أتى بمثله ، فلم يكن يذهب ذلك على الجميع ، حتى لا يحتجوا به ؛ فأما من يقول منهم : إنهم لم يعارضوه ، لأن سائر ما وقع منهم معارضة ، من حيث إن التفاضل في قدر الفصاحة لا يجوز ، فقد بينا فساده . وأما قولهم : إنهم لم يعارضوه لأنه عاجلهم ، إلى غير ذلك ، فهو تسليم لنفى المعارضة ، فلا يدخل في هذا الباب ؛ وكذلك فيمن يقول : إنهم مع تمكنهم من المعارضة عدلوا إلى المحاربة ، لظنهم أنه أقرب إلى التخلص ، فهو كلام من سلم أنهم لم يعارضوه ؛ فلا يدخل في هذه الطريقة .

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » .