القاضي عبد الجبار الهمذاني

254

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ولنا أن نقدح بذلك في قولهم : إن المعارضة قد كانت ؛ لأنها لو كانت لكان نقلها أظهر من نقل هذا الأمر السخيف الركيك . . . يبين ذلك أنه : لا يجوز أن يعظم حال واحد من العلماء ، بكتاب ألفه ، حتى وقع فيه التنافس العظيم ، فينقضه بعض العلماء ، بنقض صحيح ، ظاهر الحال ، في الصحة ؛ فلا ينقل ذلك ، وينقل النقض الركيك ، الّذي تعاطاه بعض أهل زمانه ؛ لأن ذلك يوجب قلب العقول والعادات ؛ فكيف يصح والحال ما ذكرناه ، أن يقال : إن المعارضة قد وقعت ولم تنقل ! . [ وبعد . . فلو جاز أن يقال : إن المعارضة قد وقعت ولم تنقل « 1 » ] ، ويجوز ذلك مع ما فيه من قلب العقول والعادات ، ليجوّزن أن يقال : إنه قد كان مع رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، قرآن آخر ، أعظم حالا من هذا القرآن ، حتى صار لعظم حاله ، بحيث لا يشك أحد من الفصحاء أنه مما لا تمكن فيه معارضة ومساواة ، ولم ينقل ، وإن كان قد نقل هذا القرآن ! ؛ بل كان يجب أن يجوز في زمانه ، من ادّعى النبوّة ، وظهرت عليه المعجزات الباهرة ؛ ونسخ شريعته ، ودل على بطلان أمره ؛ ولم ينقل شيء من أمره ! وبطلان ذلك يقتضي بطلان القول ، بكون المعارضة ، وأنها لم تنقل ؛ لأن الطريقة في بطلانها واحدة ؛ وإنما يستحسن ارتكاب مثل ذلك من يستهزئ بنفسه ، ودينه ، ويستعمل المباهتة ؛ فأما من صدّق نفسه ، ونصحها ، وأنصف منها فسينزه نفسه ، عن ارتكاب هذه الجهالات ؛ على أن تجويزهم المعارضة ، وإن لم تنقل ، إن اقتضى القدح في القرآن ، فتجويز إثبات قرآن آخر ثان ، بالصفة التي ذكرناها يقتضي القدح في المعارضة ؛ ويحصل من ذلك إبطال ما يجوز ، والتمسك بما يجب ؛ وهو الّذي نريد كشفه وبيانه ؛ على أن شهادة أحوالهم توجب أن المعارضة لم تقع منهم ؛ وذلك لأنه قد

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » .