القاضي عبد الجبار الهمذاني
25
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يشترط انتقاء اللبس والشبهة ، فيما ادعاه عليهم ، لأنه قد يجوز أن يدعى عليهم مشاهدة شيء يدخل اللبس في مثله ، فمتى تكاملت هذه الشروط فالاستدلال على صحة هذا الخبر صحيح ، كما يصح فيما قدمنا من خبر الجمع العظيم ، والّذي ذكرناه من أنا لا نقطع أن الاستدلال به يصح ، لتجويزنا أن يقع العلم الضروري بخبرهم أو بقطعنا على ذلك لا يمكن في هذا الفصل ، لأن المدّعى واحد أو جماعة قليلة ، والمدّعى عليهم غير مخبرين ، وإنما كفوا عن النكير ، والعلم الضروري في مثل ذلك لا يقع فلا بدّ من صحة الاستدلال به . وهذا الوجه ذكره شيخنا « أبو علي » ، ولم يذكر الوجه الآخر ، إلا في بعض المواضع ؛ وليس الّذي ذكرناه من جنس ما يقوله ، من أن سكوت الساكت لا يدل على أن القول الظاهر الّذي سكت عنه صواب ، ولا حق ، ولا أنه راض به ، حتى يقترن إلى سكوتهم بعض الوجوه ، التي تذكر في هذا الباب . لأنا إنما نقول ذلك في باب المذاهب ، وفيما يكون الإجماع فيه حجة ؛ وما شاكل ذلك ، وما قلناه الآن هو ما طريقه المشاهدة ، إذا كانت الصورة ما ذكرناه ، فليس لأحد أن يعترض بذلك ، والأولى أن لا يفترق الحال بين أن يدعى عليهم المشاهدة ، أو يدعى عليهم المعرفة الضرورية بأمر جلى ؛ وهذا كما نقوله : أنه لا يجوز على الجماعة أن تجحد ما تعلمه ، ولا تفصل بين معرفة من معرفة ، من طريق الضرورة أو الاكتساب ، وإن كان المذكور في الكتب الضروري ، لكنا إذا علمنا أن المكتسب فيه كالضرورى فالحال واحدة ؛ وكذلك القول فيما ذكرناه الآن ، لكن ما طريقه الاستدلال لا يدخل في ذلك ، لأن دليلهم دليلنا ، فلا وجه للرجوع إلى خبرهم ، ولأن ذلك مما يجوز أن تقع فيه الشبهة ويعتقد من غير حجة ، فأما الضروري فمباين لما ذكرناه .