القاضي عبد الجبار الهمذاني

238

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : لا أجيز ذلك لظهوره ووقوع المعرفة به . قيل له : أفيجوز أن يدعى النبوّة في الدهر الطويل ، ولا يدعى على نبوّته دلالة ، ولا يظهر لنفسه فيما يدعيه اختصاصا ومزية ! . . فإن أجاز ذلك عاد إلى مثل ما قدمناه من التجاهل والمكابرة ، ولزمه أن يصفه صلى اللّه عليه ، وكل من كان في زمانه بالجنون ، والخروج من طريقة العقل ؛ لأن من يبقى المدة الطويلة يدعى النبوّة . ويلزم غيره الانقياد ، ويوجب لنفسه التقدم ، وقد حصل من العداوات والمنافسات ، ما دعا إلى المحاربات ، والأمور العظام ، فلا هو يظهر لنفسه دلالة ، ولا القوم يطالبونه بذلك . . فقد وصفهم بنهاية الجهل والجنون ، وحال القوم عند المكذب والمصدق بخلافه ؛ فلا بد من أن يعترف بأنه ، صلى اللّه عليه ، كان مع ادعائه النبوّة ، يظهر ما يدعيه دلالة ، ويطالبه القوم بذلك ؛ وإذا وجب الاعتراف بذلك فلا شيء أظهر فيما ادعاه من القرآن ؛ فكيف يصح أن ينكر تحديه به ، وجعله ذلك دلالة على نبوّته . . وبعد . . فقد بينا من قبل صحة نقل القرآن وظهوره ، وأنه معلوم باضطرار ؛ وفي جملته آيات التحدي ، وقد كان يقرؤها عليهم ، ويقرئهم إياها ، ويؤديها إليهم ، ويتكرر على الأسماع ؛ فكيف يصح مع ذلك إنكار تحديه ، عليه السلام ، وقد ظهر كظهور القرآن ! . ومتى قال القائل : إن هذه الآيات ليست بظاهرة لزمه في أكثر القرآن ذلك « 1 » ، وفي ذلك من الجهالات ما لا خفاء به ؛ مما بيناه في بابه . فإن قال قائل « 2 » : إن هذه الآيات نزلت آخرا .

--> ( 1 ) ساقطة من « ص » . ( 2 ) ساقطة من « ط » .