القاضي عبد الجبار الهمذاني

212

المغني في أبواب التوحيد والعدل

عند الضرب ؛ ولذلك قلنا : إن ما يحصل عند لسع الزنبور لا يكون متولدا ، لأنه يختلف ، وإنما المتولد منه القدر الّذي لا يختلف ؛ فكذلك القول في هذه العلوم . . يبين صحة ما قلناه : أن أحوال العقلاء في هذه المعارف تختلف ، وفيهم من يكفيه اليسير من المدة ، فيما يدرك ويمارس من الكلام ، وفيهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك ، مع اشتراكهما في بذل الجهد ؛ وذلك يدل على أنه ضروري ، والعادة فيه مختلفة ؛ ومما يدل على ما قلناه : أنه لو كان مكتسبا لوجب أن يكون دافعا عن النظر في دليل ؛ وقد عرفنا أن هذه العلوم لا دليل عليها ؛ لأنها كالمشاهدات ؛ فلو لم تكن ضرورية لما صح حصول العلم أصلا ؛ لأنه إذا لم يكن هناك دليل استدل به على ذلك ، فكيف يمكن أن يكون مكتسبا ؟ ولا يصح أن يقال فيها : إنها تكون علما لتذكر الدلالة ، لأن ذلك مفقود أيضا ؛ ولا لسائر الوجوه التي تقتضى كون الاعتقاد عاما ؛ لأنها أجمع لا تتأتى في هذا الموضع . وبعد . . فلو كانت مكتسبة لكان لا يمتنع فيمن حصلت فيه أن ينفيها ببعض الشبه في بعض الوجوه ، وقد علمنا أن ذلك يتعذر فيها ؛ وإنما تزول عن الإنسان على حد ما يزول عنه العلم بالمدركات ، بالسهو ؛ وتعود إلى الإنسان بالذكر ، عند التذكر ، أو الممارسة ؛ ولهذه الجملة قلنا في العلوم التي هي حفظ لكيفية الكلام : إنها لا تكون إلا ضرورية ؛ ولهذه الجملة قلنا : إن المعرفة بالحساب لا تكون إلا ضرورية ، لأنها معرفة ، بجمع قدر إلى قدر ؛ فالحال فيها ما قدمناه ؛ لأنه لا فرق بين العلم بالفرق بين المدوّر والمربع ، وبين العلم بالفرق بين العشرة والمائة ؛ ولا فرق بين العلم بما إذا انضم بعضه إلى بعض كان مربعا ؛ وبين ما إذا ضم بعضه إلى بعض كان مائة ، في أن جميع ذلك لا يكون إلا ضروريا ؛ لكنه ربما يدق ويلتبس كما قد يدق كثير من المدركات ، فيحتاج في تمييزه إلى تكرار الإدراك