القاضي عبد الجبار الهمذاني
208
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فإن قال : ألستم قد جوّزتم في العالمين ، أن يتأتى من أحدهما الشعر ، دون الآخر ، مع المساواة ؟ فجوّزوا مثله فيما سألناكم عنه . قيل له : قد بينا أن مع العلم المتقدّم ، الّذي يجرى مجرى الحفظ قد يحتاج في فعل الكلام ، إلى علوم حاضرة ، وإلى علوم تحصل بالعادة ؛ فلا يمتنع في المتساويين في الحفظ أن يفترقا فيما ذكرته ، من حيث يفترقان في سائر الوجوه ، التي ذكرناها ؛ فحصل من ذلك أن مع تساويهما فيما يصحح الشعر ، لا يجوز أن يصح من أحدهما دون الآخر ، وأنه لا بدّ من افتراق بعضهم « 1 » في بعض العلوم ، لكن السائل ظنّ أن الّذي يحتاج إليه في هذا الباب ، هو العلم الّذي يجرى مجرى الحفظ فقط ؛ وقد بينا : أن الأمر بخلاف ما توهم . فإن قال : أفيمكن حصر هذا العلم ، الّذي يمكن معه إيراد الكلام الفصيح ، والّذي يتميز به ، مما فوقه في الفصاحة ودونه ؟ قيل له : قد بينا ذلك في الجملة ، وهو : أن يعلم أفراد الكلمات ، وكيفية ضمها ، وتركيبها ، ومواقعها ؛ فبحسب هذه العلوم والتفاضل فيها ، يتفاضل ما يصح منهم من رتب الكلام الفصيح ؛ ولا يجب أن لا يعرف أن الّذي له يتفاضل أهل الفصاحة هو هذه العلوم إلا بأن يعرف تفصيلها ؛ بل قد يعرف ذلك متى علم ما ذكرناه من الجملة ؛ كما يعلم أن الحي منا لا بدّ من أن يكوّن جملة مخصوصة ، وإن لم يعرف التفصيل فيها ؛ وقد بينا : أن هذه العلوم تحصل من قبل اللّه تعالى ، فهي كالقدرة ، فكما يصح التفاضل فيها فكذلك في العلوم ؛ فلا يمتنع أن يجرى تعالى العادة بقدر منها ، لا يمكن أن يفعل لأجله ، إلا ما يبلغ رتبة معلومة
--> ( 1 ) ساقطة من « ط » .