القاضي عبد الجبار الهمذاني

202

المغني في أبواب التوحيد والعدل

واعلم . . أن حاجة العقلاء لما دعت إلى الإنباء عما في النفس ، لما فيه من النفع ، ودفع الضرر ؛ وعلموا أن ذلك وإن صح بالمواضعة ، على الحركات وغيرها فلن يتسع ذلك اتساع الكلام ، اقتضى ذلك المواضعة [ على الكلام الّذي عند التأمل نعرف أنه أشد اتساعا من كل ما تصح فيه المواضعة « 1 » ] ؛ وليس يمتنع أن يعرفوا ذلك إلهاما ، أو بالتأمل ، والاختبار ؛ وللاجتماع « 2 » في ذلك من التأثير ما ليس للانفراد ؛ لأن جميعهم إذا تعاونوا على المراد قل فيه اللبس ، وظهر فيه الغرض ، كما نعلم من حال الجماعة إذا تشاورت في الأمور التي من حقها أن تتجلى وتظهر لأن ذلك يقتضي وقوع الإصابة ، فاقتضى ذلك الاتساع في اللغة ؛ ثم بحسب العناية يزداد الاتساع فيه ؛ فليس من جعل لغته التي اختص بها وكده ، وبغيته ، واشتد بها اهتمامه ، وقصر عليها محاسنه وفضائله ، بمنزلة من لم يحفل بلغته ، وإنما عدها آلة في حاجته فقط ، فلهذه الجملة ظهرت مزية لغة العرب ؛ ولما أراد اللّه تعالى أن يبين به عظم حال الرسول وشريعته ؛ فإذا صحت هذه الجملة ، وكان المتعالم من حال المتكلم باللغة ، أنه بمنزلة من حصلت الكلمات ، التي منها يأتلف الكلام بحضرته ، فيؤلف منها المراد ، فيجب أن يكون الواقع من الكلام ، بحسب علم المتكلم باللغة ، لأن ألفاظ اللغة إنما تصير كأنها في مشاهدته ، وبحضرته بالعلم أن للقرآن هذه الرتبة في الفصاحة ليتم ما ذكرتم ، بالعلم الحاصل في قلبه ؛ لأنها في الحقيقة لا يصح أن تكون حاضرة موجودة ؛ وصار علمه بها بمنزلة مشاهدته لها ، وإدراكه لجميعها ؛ فكما يصح لواحد في الجميع أن يتخير ، فكذلك إذا علم ذلك فيجب أن يصح منه التخيير . . . يبين ذلك : أنه لا فرق فيمن يتعاطى نساجة

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين ساقط من « ص » . ( 2 ) في « ط » والاجتماع .