القاضي عبد الجبار الهمذاني
19
المغني في أبواب التوحيد والعدل
خبرهم عن المخبر ، وخبرهم عن الخبر ، فلكل واحد منهم حكم في نفسه ، ولا يمتنع أن يعلم بخبر الجمع العظيم ، الّذي يعلم صدقهم خبر غيرهم ممن تقدّمهم ، وإن لم يعلم المخبر ، وعلى هذا الوجه أبطلنا القول بتواتر النصارى ، لأنا نعلم بأنهم يخبرون عن خبر غيرهم ، ولا يعلم المخبر عنه ، بل يعلم كذبهم فيه ، وما حل هذا المحل فلا بدّ من أن يكون الخبر في بعض الأوقات لم لتكامل شرائطه ، بأن يكون من وقع منه قليل العدد ، أو خبروا عن الأمر المشتبه ، إلى ما يجرى هذا المجرى ، وعلى هذا الوجه قال شيوخنا إن خبرهم ينتهى إلى عدد قليل ، ولو انتهى إلى عدد كثير لكان من باب ما يشتبه « 1 » على المنظر ، فلا تجب صحة الاستدلال بخبرهم ، ولا يجب أن يكون ذلك قادحا فيما يصح أن يستدل به من الأخبار ، كما لا يكون قادحا فيما يقع العلم عنده باضطرار . ويجب أن ترتب الأخبار على ما ذكرناه : فإن خبّر من حاله ما ذكره عن مشاهدتهم وقع العلم بما خبروا عنه ، وإن خبروا عن خبر غيرهم فالشروط التي ذكرناها قائمة في الجميع إلى أن تنتهى إلى المخبر عنه ، وإن طال الزمان ، وامتدت الأعصار ، صح أن يعلم ما خبروا عنه . وإن اختل ما ذكرناه من الشروط في بعض المخبرين ، إما من يقرب أو يبعد ، فليس يصح أن يعلم صحة خبرهم من جهة الاستدلال ؛ وعلى هذا الوجه قال المتكلمون : لا بدّ من أن يتساوى حال الطرفين معا والواسطة في الأخبار ؛ وهذا إنما يجوز أن يعتبر في بعضه دون بعض ، على ما فصلناه ، وفيما طريقه الاستدلال دون ما يعلم باضطرار ؛ وقد سقط بما ذكرناه قول من يقول : إنكم رجعتم إلى الوجوه « 2 » فيما ذكرتموه ، فجوزوا خلافه ؛ لأنا قد بينا
--> ( 1 ) في « ص » : يشبه . ( 2 ) كذا في « ض » ، وفي « ط » محتمل أن تكون الكلمة « الوجود » وهو ما يظهر مما يلي ؟