القاضي عبد الجبار الهمذاني

181

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ذلك عن نفسه ، إذا كان معه مصلحة ، كما يصح أن يكلفه الامتناع من القبيح ؛ وليس كذلك الحال فيما ذكرناه من المعجز ؛ لأنه لا طريق للمكلف إلى تمييزه من المعجز الدال على النبوّة ، على ما بيناه ؛ وما لا يمكن المكلف أن يفصل بينه ، وبين الحجة ، من الشبه فالقديم تعالى لا بدّ من أن يمنع منه ، وقد بينا أنه لا فرق بين ظهور ذلك على من تناوله من الرسول ، وبين أن يظهره تعالى ، ابتداء على المتنبي في الفساد . فان قال : ومن أين أن ذلك لو وقع كان لا يتميز من الحجة ؟ بل ما أنكرتم أنه إنما يكون حجة ، إذا علم أنه لم يحدث إلا عند دعواه ، فمتى حصل هذا العلم زال التجويز الّذي ذكرناه ، ويصح أن يستدل به ، وليس كذلك إذا كانت الحال ما ذكرتم ، لأنه مع تجويزه أن يكون قد أخذ من غيره ، لا يحصل له هذا العلم ، فيعلم أنه لم يتكامل شرط دلالته ، فينفصل عنده من الحجة ، كانفصال سائر الأدلة من الشبه . قيل له : قد بينا أن علم المكلف بأنه حدث عند ادّعاء النبوة ، على وجه ينفصل مما جرت العادة بمثله ، يكفى في صحة الاستدلال ، وبينا أن العلم الّذي سأل عنه ، لو كان شرطا لكان لا يتم الاستدلال بإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، إلا بعد أن يعلم أن حدوث ذلك لا يجوز أن يكون بالانتقال ، وأن يزيل هذه الشبهة ، فإذا لم يجب ذلك ، وصح الاستدلال بها ، لمن لم يخطر له ذلك بالبال ، على ما فصلناه ، فقد بطل كون هذا العلم شرطا ، على أن هذا العلم لو كان شرطا ، لم يخل من أن يكون طريقه الاضطرار أو « 1 » الاستدلال ، فإن كان طريقه

--> ( 1 ) في « ص » والاستدلال .