القاضي عبد الجبار الهمذاني

176

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إن الرسول إذا ادّعى النبوّة ، والتمس من قبل القديم تعالى إظهار الدلالة على صدقه ، فيجب أن نعلم فيما يحدث من حركات الفلك ، على غير العادة ، ومطلع الشمس والقمر ، إلى غير ذلك ، أنه من جهته تعالى ؛ لأنه لو كان من جهة غيره ، على جهة الاستفساد لمنعه من ذلك ، لما فيه من لبس الأدلة ؛ فمن هذا الوجه يمكن الاستدلال بذلك على النبوّة . . قيل له : إن هذا الوجه قائم في القرآن ، فيجب لو كان من قبل غيره ، على طريق الاستفساد أن يمنع منه . . وبعد . . فإن من لم يخطر بباله ذلك يمكنه الاستدلال ؛ فيجب أن لا يكون المعتبر في صحته إلا بما ذكرناه ، من كون ذلك خارجا عن العادة ، فيعلم عند ذلك أنه من قبل الحكيم ، أو يكشف عن أمر من قبله ، فصح الاستدلال على نبوّته . . فإن قال : فهل يجوز أن يدل ذلك على النبوّة ، إذا كان من فعل الملك على وجه ؟ . قيل له : لا يمتنع أن يدل على ذلك ، حتى لا يفترق الحال بين أن يكون من قبله تعالى ، وبين أن يكون من فعل الملك ؛ وإنما منعنا فيما تقدّم أن يكون من فعله ، على جهة الاستفساد ، وأوجبنا أن يمنع القديم تعالى من ذلك ، فأما على غير هذا الوجه فلا يمتنع ؛ لأنه لا فرق بين أن يقلب تعالى عادة الملائكة ، في أن يحدثوا خلافها ، أو يحدث فيهم خلاف ذلك ، إذا ثبت أنهم يطيعون ويستمرون على ذلك ؛ لأن عادتهم على هذا الوجه كالعادة الثابتة ، من جهة الحكيم ؛ فإذا جرت عادة الملك ، في أن يحرّك الفلك على طريقته ، ثم انتقض ذلك علم أحد أمرين : إما أنه تعالى ألجأه ، وأحدث خلاف ما جرت به العادة