القاضي عبد الجبار الهمذاني
17
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بين ما يقع عن تواطؤ ، وبين ما يقع مع فقده ، لأن التواطؤ بمنزلة الاجتماع للمشاورة ، وذلك لا يكون إلا عن تكرر الاجتماع ، وتردّد الرأي ، والخوض في الأمور ، وما يقصر عن ذلك في الدرجة ، لا بدّ من أن يظهر ، حتى أن ذلك يظهر في الجمع القليل فكيف في الجمع الكثير ! وهذا معلوم عند الاختبار بالاضطرار ، فأما تخويف السلطان من الأمر إذا أكره عليه فالحال فيه أظهر من أن يحتاج فيه إلى دليل ، فأما اجتماع الجماعة الكثيرة على الكذب المختلف فيه ، والمتغاير ، فذلك غير ممتنع ، لأنه إذا لم يتعلق بمخبر واحد حل محل الأفعال المختلفة ، ويصير فعل الواحد منهم لا يتعلق بفعل الآخر ، ويصير الحكم فيما وقع منه معتبرا به لا بغيره ، فكما يجوز من الجماعة العظيمة أن يفعل كل واحد منها فعلا مخالفا لما يفعله الآخر ، إما حسنا وإما قبيحا ، لبعض الأغراض ، فكذلك القول في أنواع الكذب ؛ فأما إذا كان الكذب في المخبر الواحد منه صار كالفعل الواحد ، فلا بدّ من أمر جامع وإلا لم يقع . فإن قال : ولما ذا ادعيتم أن يكون المخبر عنه مما لا يشتبه فيه ؟ . قيل له : لأنه إذا كان مما يشتبه لم يمتنع في الجمع العظيم أن يظن أنها صادقة ، لاشتباه المخبر عنه عليها ، ففي الحقيقة هي كاذبة ، والظن قد يقوم مقام العلم ، فيما يدعو إلى هذا الفعل ، فلا يصح أن يعلم صدقهم ، والحال هذه ، فإذا « 1 » كان ما خبروا عنه مما لا يصح ذلك فيه ، وعلم أن ما جمعهم عليه هو علمهم بأنه صدق ، لأن الظن في ذلك لا يصح ؛ ولهذه الجملة شرطنا أن تكون الجماعة مخبرة عن المشاهدة ، أو ما يجرى مجراها .
--> ( 1 ) في « ص » : فأما إذا - وما هنا من « ط » ، وهو أنسب .