القاضي عبد الجبار الهمذاني

161

المغني في أبواب التوحيد والعدل

تواترا « 1 » ، من حيث لم يحفظه إلا العدد اليسير لو صح ذلك ، فكيف وقد بينا فساده . على أن العلم بالقرآن الّذي يجعله دلالة ، وندعيه أنه ضرورة ليس هو العلم الّذي هو الحفظ ؛ لأنا نعلم أن من نحتج بالقرآن عليه لا يحفظه ، وإنما الّذي نجعله حجة هو العلم بصفاته ، التي معها يميز من غيره ؛ وهذا العلم لا يمكن أحدا « 2 » دفعه ولا يمتنع ثبوته ، وإن لم يكن أصحاب الرسول ، صلى اللّه عليه ، حافظين للقرآن ، بأن يكونوا قد سمعوه ، حالا بعد حال ، فحفظ جماعتهم كل القرآن ، وإن لم يحفظ كل واحد منهم جميعه ، أو دوّنوه على وجه يعرف به تميزه عن غيره ، كما قد يدوّن الناس مذاهب الرؤساء ، وأشعار الشعراء ؛ ويعرفون صفته ، فميزوه من غيره ، وإن لم يحفظ الجميع . وإنما يصح الاختلاف في بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من حيث عرف الكل أنه منزل مع القرآن ، وعلموا أنه يتلى في أوائل السور ، لكن بعضهم قال : إنه يتلى على طريقة الاستفتاح ، تبركا ، كما يفعل مثل ذلك في مقدمات سائر الأفعال ، لا لأنه من القرآن ؛ ومنهم من جعله قرآنا ، فلما حصل فيه الاشتباه لم يمتنع أن يقع الخلاف فيه ؛ وليس يجب إذا وقع الخلاف فيه ، من هذا الوجه ، أن لا يوثق بسورة الحمد ، وأنه صلى اللّه عليه ، أدّاها على صفتها ، وكان يقرؤها في صلواته « 3 » ، وأن أمرها ظاهر ، ثم كذلك سائر القرآن ، وليس الاحتجاج بالقرآن مما لا يتم إلا بكماله ، حتى إذا وقع الخلاف في بعضه اختل الاستدلال ، وفسد ؛ بل الاستدلال صحيح ، بكل قدر منه ، وظهر الإعجاز فيه ، وقد علمنا أن الاختلاف

--> ( 1 ) في « ص » تواتر . ( 2 ) في كل من « ص » و « ط » أحد بالرفع ، ولا وجه له إعرابيا . ( 3 ) في « ص » صلاته .