القاضي عبد الجبار الهمذاني
16
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وقد قال شيخنا « أبو هاشم » : إن الواحد في حكم الجماعة ، إذا تواطئوا ، لأنه وإن لم يجز أن يواطئ نفسه ففعله لا يتعلق بغيره ، فأما الجماعة فحالها مفارق لحال الواحد ، لأن كل واحد منهم إنما شاركه الآخر ، مع كثرتهم إذا حصل هناك علم أو ما يقوم مقامه مما يختارون عنده ، أو مما يبعثهم على الاختيار ، وذلك لا يتأتى في الكذب الواحد إلا إذا كان هناك سبب جامع ، ويتأتى في الصدق لأنه في حكم ما فيه سبب جامع على ما بيناه . فإن قال : ولم قلتم : إن مع التواطؤ يجوز اجتماعهم ، مع كثرتهم على الكذب الواحد ؟ قيل له : لأن بالتواطؤ قد اعتقد كل واحد منهم أن صاحبه يختار ما يختار [ وظنه « 1 » ] فيكون ذلك سببا جامعا ، فأما إذا عدم ذلك فالأمر على ما قدّمناه ، ولذلك قلنا : إنه إذا وقع خوف من سلطان صح أن يجتمعوا إذا ظهر ذلك ، على الكذب الواحد ؛ لأن ذلك أوكد من التواطؤ ، ويصير التواطؤ والخوف بمنزلة [ التعبد « 2 » ] ، وقد صح للحجة ، بل للشبهة التي لتصوّر بصورة الحجة ، اجتماع الجمع العظيم على الشيء الواحد ، في حال ، وفي أحوال ، وكذلك القول فيما قدّمناه . فإن قال : وكيف تعلمون في الجماعة الكبيرة أن التواطؤ لم يحصل فيها حتى تستدلوا بخبرها على صحة مخبرها ؟ . قيل له : إن التواطؤ له أمارات لا بدّ أن تظهر للمخالط المختبر ، فإذا لم تظهر تلك الأمارات علم انتفاؤه لأنه إنما يكون بمراسلة ، أو مكاتبة ، أو اجتماع ، أو مشافهة ، وكل ذلك لا بدّ أن يظهر ، ومتى اختبر أحوال الناس عرف الفرق
--> ( 1 ) الرمم مشتبه في « ص » وفي « ط » أيضا . ولا يرجح فيه من النسختين إلا أن تكون الكلمة « وظنه » والسياق بها غير واضح ! ( 2 ) الكلمة في « ص » غير منقوطة . وفي « ط » ، منقوطة وتقرأ « التعبد » وليس المعنى ظاهرا .