القاضي عبد الجبار الهمذاني
154
المغني في أبواب التوحيد والعدل
لأنه إن كان نقله في الظهور والانتشار ، والعلم به بالصفة التي ذكرتموها ، فهل الخلاف فيه إلا كالخلاف ، في سائر المعارف الضرورية ! وإن كان التنازع فيها لا يصح من ذمي ولا ملى ، لأن اختلاف الديانات لا يؤثر في ذلك ؛ فكذلك القول في القرآن ، لو كان طريقة الاضطرار . . فإن قلتم : إن الخلاف لم يكن في الأصل . قيل لكم : أليس الحجة بثبوت القرآن يجب أن تكون قائمة إلى آخر الأبد ، لأن نبوّته التي ختمت النبوّات ، وشريعته لازمة للناس كافة ، فيجب أن تكون الحجة بالقرآن قائمة ، على كل أحد : هذا يوجب أن التنازع لا يصح أن يقع فيه الآن ، كما لم يقع في الصدر الأول ، حتى دعا ذلك إلى جمع الناس ، على مصحف واحد ، وقراءة واحدة ، لكي يزول ما كانوا عليه من التنازع ، وتنحسم مادة الاختلاف فيه ؛ فإذا كان الخلاف الظاهر فيهم فكيف يصح أن يكون ضروريا ؛ وقد علمتم أنه إذا كان ضروريا فينا فبأن يكون ضروريا في الصحابة أولى ؛ لأن عهدهم أقرب ، والنقل فيهم أظهر ؛ فإذا لم يكن ضروريا فيهم ، فبأن لا يكون ضروريا فينا أولى . وبعد . . فلو كان العلم به ضروريا لوجب أن يعرف على هذا الحد تفصيله ، كما تعرف جملته ، وأن تعرف حروفه ، وإعرابه ، كما تعرف آياته ؛ ولو كان كذلك لما جاز أن يقع الاختلاف بين القراء قديما وحديثا ، في كثير من حروفه ، وإعرابه فكيف صح أن يكون ضروريا ، والمفتتح به في أوائل السور ، الّذي يجب أن تكون المعرفة به أقوى ، من المعرفة بما عداه ، لتكرره ، قد اختلفوا فيه : فمنهم من أثبته قرآنا ، ومن كل سورة ؛ ومنهم من نفى كونه قرآنا ، على هذا الوجه ؛