القاضي عبد الجبار الهمذاني
15
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فيه ، وليس الأمر كذلك لأنا قد بينا في باب العادات أن المراد بذلك العادات الجارية في أفعاله تعالى ، وتلك العادات التي طريقها المصلحة ، وقد يجوز منه تعالى أن ينقضها ، لكن الحكمة تقتضى أن لا ينقضها إلا على طريقة الدلالة على النبوات ، وليس كذلك ما عرفناه بالاختبار من حال العباد ، لأنا لا نجوّز فيه أن يختلف في الوجه المخصوص ، الّذي قلناه « 1 » إنه كالممتنع ، فليس لأحد أن يقول : إذا كان نقض العادات من اللّه تعالى يجوز ، فهلا جاز من الجمع العظيم أن ينقضوا العادة ، فيجتمعوا على الكذب الواحد ؟ يبين ذلك أنه لا عادة لهم في أن لا يجتمعوا على الكذب ، لأن ذلك نفى ، فكيف يقال : إن نقض ذلك صحيح منهم ، وإنما نعلم أنهم لا يختارون ذلك إلا إذا كان هناك ما يجمعهم عليه . كما نعلم أنهم لا يختارون أكلا واحدا ، أو الاجتماع على رمى شيء واحد إلا عند جامع يجمعهم ، من داع أو ما يقوم مقامه ، وهذه الجملة هي المعتمدة فيما ذكرناه دون ما يحكى عن قوم : أن الكذب إنما لا يقع منهم لقبحه « 2 » ولأن في العقول تهجن فاعله ، ولأن الطبع قد ينفر عنه ، ولأنه مستقبح ، إلى غير ذلك : لأنه لو كان لهذه الوجوه لا يتفقون على الكذب الواحد لصح تغير حالهم في ذلك ، فيحصلون متفقين ، وقد علمنا فساد ذلك ، لأنه على هذا القول يجب أن يكون الجميع كالواحد فيما له « 3 » لا يختارون الكذب ، وقد علمنا أن ذلك فاسد ؛ لأنه لا كذب يشار إليه إلا وقد يجوز أن يختاره الواحد ، وإن كان قد يمتنع في الجمع العظيم ذلك . « 4 »
--> ( 1 ) هذه الهاء تشتبه بحلبة مألوفة للكاتب في « ص » لكنها واضحة في « ط » . ( 2 ) الرسم مشتبه في « ص » وما هنا من « ط » . ( 3 ) في « ط » وساقطة من « ص » . ( 4 ) الرسم شديد الاشتباه في ص ، وما هنا من ط .