القاضي عبد الجبار الهمذاني

112

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فأما الختان في حال الكبر فلا يمكن أن يدعى فيه أنه من الأحكام العقلية ، فإذا ثبت في شريعة ، تبيين الاختلاف فيه ، فليس يمكن تأوله إلا على اختلاف الشرائع ، على ما بيناه ، وليس يمكن أن يقال في ذلك : إنهم جروا فيه على ما يتعاطاه الناس ، من الحجامة وغيرها ، في باب العلاجات ، لأنه لو كان كذلك لكان الأمر موقوفا على اختيارهم ولوقع بحسب اعتقادهم ؛ وقد ثبت أن الختان ثابت في شرائعهم على وجه الوجوب ، من غير أن يتعلق بالتراضي ، أو يقع فيه اختصاص ؛ على أن شيوخنا قد بينوا أن الشرع إذا ورد بالحظر في أمثال ما كان مباحا في العقل فيجب أن يدل ذلك على بطلان ما تعلقوا به . فإن قالوا : إنه لا يدل على بطلانه ، لأنا تعلقنا بالأمر الوارد ، وكما أن الحظر تجدد فكذلك الأمر متجدد ، لا يتناول ما تقدم من الإباحة . قيل لهم : إن قولكم بتقدمه يقتضي منكم الاعتراف بأن التكليف العقلي ينفك من السمعي ؛ والدلالة قد دلت على ذلك ، على ما بيناه في غير موضع ، وكما جاز أن ينفك أولا فغير ممتنع أن ينفك آخرا ، بأن يكون الشرع يرتفع ببعض الوجوه ، فقد صار الأمر غير متناول لإباحة متأخرة لبعض الوجوه فكذلك غير ممتنع أن لا يتناول الشرع المتأخر . واعلم . . . أنه ليس في بيان لزوم اختلاف الشرائع لهم إلا مثل الّذي ذكرناه ، في الوجوه المتقدمة التي كشفناها ، وإنما نجيز ذكر ذلك من شيوخنا ، لأن اليهود يعترفون بذلك ، فأرادوا إبطال قولهم عن قرب ، وبالأمر الواضح ، وإنما حدّث قوم ممن اختلطوا بالمتكلمين فأوردوا هذه الشّبه ؛ وقد بينا أنها لا تمنع من لزوم الكلام لهم ، لأن الطريقة في ذلك ، وفي سائر ما قدمناه ، لا تختلف .