القاضي عبد الجبار الهمذاني

9

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في ذكر حقيقة اللطف ومعناه اعلم أن المراد بذلك عند شيوخنا ، رحمهم اللّه ، ما يدعو إلى فعل الطاعة على وجه يقع اختيارها عنده ، أو يكون أولى أن يقع عنده . فعلى هذين الوجهين يوصف الأمر الحادث بأنه لطف . وكلاهما يرجع إلى معنى واحد - وهو ما يدعو إلى الفعل - لكن طريقة الدواعي إليه تختلف على الوجهين اللذين ذكرناهما . وعلى هذا الوجه يستعمل في اللغة والتعارف ؛ لأنهم يقصدون بهذه اللفظة إلى ما يدعو إلى الفعل : فيقال في الوالد إنه يلطف لولده في التعلم والتأدّب ؛ إذا قوى دواعيه بما عنده يتعلم أو يكون أقرب عنده إلى أنت يتعلم ، على حسب ظنه وتقديره . فاستعمله شيوخنا فيما يدخل في التكليف على هذا الحدّ . فإن قال [ قائل ] أيستعمل ذلك فيما يستعمل عنده القبيح الّذي كلف أن يمتنع منه ، أو فيما يدعو إلى فعله ؟ . قيل : قد يمرّ ذلك في كلام شيوخنا ، فيصفون المفسدة بأنها لطف في القبيح ؛ لكن الأكثر في التعارف أنه يستعمل فيما تختار عنده الطاعة ويدعو إليها . ومتى استعمل ذلك فيما يختار عنده القبيح قيد بما يزيل الإبهام . فحصل من هذه الجملة أن إطلاقه يفيد ما قلناه أوّلا . فأما استعماله فيما لا مدخل له في التكليف من مباح وغيره فممتنع على طريقة اصطلاح المتكلمين ، وشائع على طريقة اللغة ؛ لأن هذه اللفظة من جهة الاصطلاح قد خصت ببعض ما كانت تقع عليه دون بعض ، وذلك غير ممتنع فيما طريقه الاصطلاح .