القاضي عبد الجبار الهمذاني

567

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إنما أمر تعالى أن يحكم الحاكم في الدنيا بشرط لا يصح ، ولغرض لا يصح عليه تعالى . فأما الشرط فهو الاجتهاد المتعلق بالاستدلال وغالب الظن ؛ لأنه لا علم ولا دليل يحصل في أن المال للجد أو بينهما « 1 » . وإنما يحكم الحاكم بحسب اجتهاده ، فيكون التمليك واقعا بسبب متقدم ، أو واقعا عند الموت بشرط متأخر ، وهو الاجتهاد . وقد علمنا أن ذلك لا يصح فيه سبحانه . وكذلك فقد علمنا أنه إنما أمر بذلك لمصلحة العباد ؛ والمصالح تصح في الدنيا ، لأن الحال حال تكليف . فيجوز أن يكون بعض الأفعال داعيا إلى القيام بما كلف وبعضها صادفا عما كلف . وذلك لا يتأتى في الآخرة . فإذا صح ذلك ، لم يمكن أن يقال إنه تعالى يحكم في الآخرة بمثل ما له أمر أن يحكم في الدنيا . ولا فرق بين من تعلق بذلك في هذا الوجه وبين من قال إنه ينصب « 2 » الأنبياء في الآخرة « 3 » أو / يكلف في الآخرة كما يكلف في الدنيا . وقد علمنا فساد ذلك . فإن قال : أفليس من قولكم أن الإمام مخير « 4 » - إذا تساوى عنده الاجتهاد - بين القولين ، فيكون مخيرا في هذا المال بين أن يجعله للجد أو يجعله مشتركا بينهما ، ولا يكون ما يفعله متعلقا بالاجتهاد ؟ فجوّزوا أن يحكم تعالى في الآخرة بالمال لأحد الوجهين على هذا الحد . قيل إن من يذهب هذا المذهب يقول إن ما « 5 » يفعله من أحد الوجهين لا بد أن يكون متعلقا باجتهاد مساو ، كما أن ما يفعل عند أحد الاجتهادين لا بد من أن يكون متعلقا باجتهاد منفرد ؛ ولا بد من أن نقول إذا تساوى الاجتهادان عنده ، إنه يفعل أحدهما مرتبا على اختيار ، وذلك لا يتأتى فيه تعالى .

--> ( 1 ) أي بين الجد والأخ . ( 2 ) أي يرسلهم . ( 3 ) في الأصل في الدنيا ، ولا معنى لهذا مع قوله : « وقد علمنا فساد ذلك » . ( 4 ) في الأصل مخيرا . ( 5 ) في الأصل إنما .