القاضي عبد الجبار الهمذاني

56

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد ، فلا فرق بين من قال في تركها إنه لا بدّ من أن يقبح لأنه مفسدة ؛ وبين من قال فيها إنه لا بدّ من أن تجب لأنه « 1 » ترك لما هو مفسدة . وهذا يؤدّى إلى أن وجوبها من وجهين كما أن قبح تركها من وجهين . ولو كان الأمر كذلك لوجب ، كما دل تعالى على وجوبها وشرائطها ليعلم به حال تركها ، أن يدل تعالى على تركها وقبحه ليعلم حال وجوبها ، وكان يؤدّى ذلك إلى أن يعلم كل واحد منهما بما يعرف هو به ، وهذا بين البطلان . فإن قال : فدلوا على الوجه الثاني ، وبينوا أن شرب الخمر يقبح لأنه مفسدة ، لا لأن تركه مصلحة ، وقد خالفكم فيه الشيخ أبو علي رحمه اللّه وقال فيه : إنه يقبح لأنه ترك لما هو صلاح للمكلف ، فأجراه / مجرى تروك الصلاة ( « 2 » ) ذكر شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه أن شرب الخمر لو لم يكن مفسدة لوجب أن يكون الغرض « 3 » فعل الترك الّذي هو الصلاح ، فكان يجب - متى عدل عن ذلك الترك بأن شرب الخمر ، أو أن ترك بترك آخر - أن تكون الحال واحدة فيما يستحقه من الثواب « 4 » ، بل كان يجب متى لم يفعل ذلك الترك أن يستحق العقاب ، شرب الخمر أو لم يشربه ؛ وكان يجب على مذاهبنا متى لم يشرب الخمر ولم يفعل الترك أصلا أن يكون عقابه كعقاب من شربه ؛ لأن في الحالتين جميعا لم يقع ذلك الترك الّذي هو الصلاح . على أنه كان يجب أن يبين تعالى ذلك الترك الواجب على الحد الّذي بين الصلاة ، ليعرفه ويميزه من غيره ، ويبغى بفعله المصالح . فلما فقد ذلك ، وثبت أنه تعالى بينه وميزه من غيره ، علم أن وجه قبحه أنه بنفسه مفسدة ، وأن تركه متى وجب فإنه ترك القبيح .

--> ( 1 ) أي الوجوب . ( 2 ) مطموس . ( 3 ) أي الغرض من التحريم . ( 4 ) هكذا في الأصل ولعلها العقاب .