القاضي عبد الجبار الهمذاني

523

المغني في أبواب التوحيد والعدل

تعالى يجعل عوضهم تحقيقا من عقابهم ؛ لأنه لا فرق في العقل بين إيصال لذة وإزالة ألم ، وهما في عقول العقلاء بمنزلة لذتين مثلين ؛ لأن العاقل قد يختار إزالة الآلام بفقد لذات زائدة عليها ، وقد يختار اللذات الزائدة بتحمل الآلام ، كما يختار الأزيد من الأنفع على الأنقص . ولهذه الجملة قلنا إنه تعالى يخفف عقاب الفاسق بما معه من الطاعات ويزيل من عقابه قدر ما يستحقه من الثواب على الطاعات . وكل ذلك يبين صحة ما قدمناه . فإن قال : أفتقولون إنه في الأصل استحق على الآلام إزالة العقاب ، أو تقولون إنه استحق اللذات ثم نقل حقه إلى إزالة العقاب وتخفيفه ؟ قيل له : ربما عاد الخلاف في ذلك / إلى عبارة ؛ لأنا إن قلنا إنه في الأصل يستحق على الآلام تخفيف العقاب بشرط أن يكون من أهل النار ، واستحق عليها الملاذ بشرط أن يكون ممن لا عقاب عليه ، جاز . وإن قلنا إنه في الأصل استحق اللذات ، لكنه إذا كان ممن يصح إيصاله إليه ، وجب وصح إيصاله . فلم يجز في الحكمة أن يبخس حقه من ذلك . وإذا كان لسوء اختياره قد صار ممن لا يصح إيصاله إليه ، أوصل تعالى إليه ما يقوم مقامه ، جاز أيضا . وعلى الوجهين جميعا السؤال ساقط ، وإن كان الأقرب ما ذكرناه ثانيا كما نقوله في الطاعة إنه يستحق بها الثواب ويصير جزءا من عقابه إذا كان قد أحبطها . فإن قال : أيجوز وهو من أهل النار أن يستحق العوض مع أنه قد أحبط ثوابه بفسقه . وما ذكرتم أن يحبط أعواضه فلا يستحقها أصلا . قيل له : إن العوض لا يحبط بالعقاب كالثواب لما نبينه من بعد .