القاضي عبد الجبار الهمذاني
51
المغني في أبواب التوحيد والعدل
على القديم تعالى فيمن يعلم أنه سيقدم عليه « 1 » أن يمنعه منه ؛ لأنه تعالى إذا بين للمكلف أن ذلك مفسدة ، وأن له في التحرّز منه ثوابا ، وجب عليه « 2 » / الامتناع . فمتى لم يمتنع فإنما أتى [ ذلك ] من قبل نفسه لا من قبل المكلف . وإنما يجب عليه تعالى فيمن « 3 » حل هذا المحل أن يزيح علته فيه ليمكنه . فأما أن يلزمه أن يمنعه منه فمحال . وشبهه بمصالحه التي لو كانت من فعله تعالى لوجب عليه أن يفعلها . فإذا كانت من فعل نفس المكلف خاصة ، وجب عليه أن يمكنه منها ويعرّفه « 4 » إياها ؛ لكي يلتمس هو مصالح نفسه بفعلها ، ومتى أخل بها من قبل نفسه ولو لم يفعل تعالى به ما يكون مصلحة من فعله تعالى ، لكان قد أتى من قبل المكلف . وكذلك القول في المفسدة . وأجاب رحمه اللّه عما ذكرناه من قبل ، بأن ما يكون مفسدة من فعل غيره إنما يجب عليه تعالى أن يمنعه منه ؛ لأن اللّه تعالى هو الّذي يقدر على إزالته . والعبد أيضا يقدر على إزالته . ولو وجب عليه تعالى أن يزيله لكان إنما يجب ذلك عليه لحظ العبد . وإذا كان العبد ممكّنا من ذلك ، جاز من اللّه أن يتعبده به ، ويصير ذلك في بابه بمنزلة ما يصح من العبد أن يمكن نفسه فيه من الأفعال . فلا يجب على اللّه تعالى أن يمكنه نحو الآلات « 5 » التي تمكنه أن يحصلها لنفسه . فعلى هذه الطريقة يجب إجراء القول في هذا الباب . فأما فرقه « 6 » ، رحمه اللّه ، فيما ذهب إليه بين المفسدة والمصلحة ، فإن كان في الوضوح لما ذكرناه ، فقد يمكن أن يقال له : ما أنكرت أنّ تركه إنما يكون مفسدة متى
--> ( 1 ) أي على القبيح . ( 2 ) في الأصل : « ثواب » . ( 3 ) في الأصل : « فيما » . ( 4 ) في الأصل : « ويعرفها إياه » . ( 5 ) أي مثل ما تمكنه الآلات . ( 6 ) المراد تفرقته .