القاضي عبد الجبار الهمذاني

508

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل / في بيان الدلالة على أن العوض منقطع اعلم أن الّذي كان يقوله شيخنا أبو علي رحمه اللّه أولا القول بدوامه وهو مذهب كثير من مشايخنا المتقدمين . ثم قال فيه إنه ينقطع ، وهو الّذي يذهب إليه شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه وأصحابه . وقد استدل على ذلك بأنه قد ثبت في الشاهد حسن تحمل الضرر لأجل قدر من العوض مخصوص . وصار علمه بذلك القدر جهة لحسنه ، لأنه متى علمه علم حسن ، تحمل المضرة ، ومتى لم يعلم ذلك لم يعلم حسن تحملها ، بل يقبح منه في عقله أن يتحمل ذلك . وكذلك لو « 1 » علم أنه يؤدى إلى دون ذلك القدر ، لما حسن منه تحملها ، فصار العقل يشهد بقبح المضرة إذا عريت من المنفعة ، وشهد أيضا بقبحها إذا نقصت عن قدر مخصوص . يبين ذلك أن العاقل يتحمل مضرة مخصوصة لأجل دينار إذا كان قدر المستحق عليها ، ولا يستحسن تحمل ذلك لدرهم ، كما لا يستحسنه إذا عرى من العوض . وإذا صح ذلك ، فلو كان من حق الضرر أن يستحق عوضا دائما لكان جملة ذلك هو القدر المستحق عليه ، وكان من لا يعلمه لا يستحسن تحمل الضرر ، كما لا يستحسنه إذا نقص عوضه في الشاهد عن قدر ما يستحق به . وفي علمنا بأن العقلاء لا يستحسنون تحمل المضار مع جهلهم بدوام العوض واعتقادهم فيه الانقطاع دلالة على أنه لا يستحق إلا عوضا منقطعا على ما بيناه . وليس لأحد أن يقول : إذا جاز أن تستحسنوا تحمل مشقة الطاعات وإن لم يعلم دوام ثوابها ، فهلا جاز أن يعلم حسن تحمل المضرة وإن لم يعلم دوام العوض فيها ؟

--> ( 1 ) في الأصل فلو .