القاضي عبد الجبار الهمذاني

48

المغني في أبواب التوحيد والعدل

يكون مع ذلك لطفا للغير . وقد جوّزنا من قبل في المباح وغيره أنه لا يمتنع كونه لطفا للغير ، فكيف نمنع من ذلك في الواجب ؟ وهذا ينفى زوال التناقض عن كلامنا . والكلام في أن الفعل لا يصح من جهة التعبد من زيد ، لأنه مفسدة للغير فقط ، كالكلام فيما قدمناه ؛ لأن القبيح يجب أن لا يفعله المكلف وأن يتحرز من وجوده . ولا يجوز أن يجب ذلك عليه لدفع الضرر عن الغير ؛ ولا يجوز أيضا أن يجب لمكان الثواب فقط على ما بينا . وذلك يبين أنه كاللطف فيما قدمناه . فأما تعبده تعالى المكلف بالفعل لأنه مصلحة ولطف في الواجبات فغير ممتنع ، بل هو الواجب في الشرعيات كلها ؛ لأنا قد بينا من قبل أن المكلف لا يجوز أن يوجب الفعل إلا وله وجه وجوب . وقد بينا أن الواجبات على ضربين : أحدهما يحدث لصفة تخصه ، وينقسم إلى قسمين : أحدهما : الصفة المقتضية لوجوبه ؛ ترجع إليه نحو رد الوديعة والإنصاف وشكر النعمة ؛ والآخر يرجع إلى ما ينبغي به ، وهو ما يجب لأنه ترك لقبيح معين . وذلك فيه يحل محل صفة تخصه . والواجبات العقلية على هذا النحو يجرى أكثرها . والثاني : يجب لكونه لطفا ؛ فهو وإن وجب لصفة تخصه ، فلا بد من اعتبار صفته بغيره وهو الأمر الّذي هو لطف فيه . فمتى كان هذا حاله وجب . وهذا على ضربين : أحدهما نعلمه عقلا كالنظر والمعرفة ، والآخر لا نعلمه إلا بالسمع كالصلاة وغيرها . وقد بينا من قبل أنه لا يمتنع وجوب الفعل ، لأن اللطف به يتم فيكون كالشرط فيه أو المقدّمة له ، فيكون وجوبه لهذا الوجه . لكن هذا الوجه لما لم ينفصل من كونه لطفا ؛ لم يعد قسما بائنا . ولا خلاف بين شيخينا أبى على وأبى هاشم رحمهما اللّه في هذه الجملة . / التي لخصناها في الشبهات (