القاضي عبد الجبار الهمذاني

472

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن الأصل في هذا الباب أنه تعالى وإن لم يتضمن العوض بالتمكين فقد التزم الإنصاف بالتمكين لأنه مكن الظالم من المظلوم ؛ فلا بد من أن يلتزم أن يحكم له على الظالم وينتصف له منه ، لأنه إذا كان قد مكن من ذلك ولم يمنع منه ، وكان هو المدبر لعباده في مصالحهم حتى يصير نظره لهم أولى من نظرهم ، وحتى يصيروا بمنزلة من يدبره الولي والقيم فيما يجب في أحدنا إذا ذكر أولاده ومن يجرى مجراهم أن ينتصف لبعضهم على بعض حتى يتكامل تدبيره ونظره . فكذلك يجب في القديم تعالى . وإذا صح ذلك وأنه تعالى لا بد مع علمه بأحوال العباد أن يعلم فيمن يقدم على الظلم هل يستحق من العوض ما يكون مقابلا له أو لاستحقه ، فإن علم أنه يستحق ذلك أو يستحقه في المستقبل ، خلى بينه وبين الظلم على طريقة التكليف إن كان مكلفا ، ومنعه بالنهى والزجر عن فعله تعريضا للثواب . ومتى فعل انتصف منه للمظلوم في الآخرة بأن ينقل إليه من أعواضه ما يكون موازيا لظلمه . وإن علم أنه لا يستحق أعواضا فيما نزل به أو ينزل به في الأمراض والغموم إلى ما شاكلها ، وأنه « 1 » تعالى يمنعه من الظلم إما بالقسر وإما بأن يشغله عنه بضرب من الشواغل ؛ لأنه متى لم يفعل ذلك لم يكن الانتصاف الّذي قد اقتضاه حكمه وتدبيره لعباده . وفي هذه الجملة إسقاط ما سأل عنه . وأما ما تطعنون به من أن في الظلمة من يكثر من الظلم حتى يبلغ الحد الّذي يعلم فيه أنه لا يستحق مثله ؛ بل لا يستحق بعضه ، وأن ذلك يفسد ما ذكرتم ، فبعيد . وذلك أن مقادير ما يستحقه العبد على اللّه تعالى من الأعواض لا يمكن الإحاطة بها لأنه لا دليل على قدرها وعلى قدر ما يستحق به من

--> ( 1 ) في الأصل فإنه .