القاضي عبد الجبار الهمذاني

433

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : إذا كان الجنس واحدا وما يتناوله الإدراك منه لا يتغير ولا يختلف ، فهلا قلتم إنه عقوبة ليحصل به كلتا الفائدتين ؟ قيل له : إن الجنس وإن كان لا يختلف ، فالوجه الّذي يقع عليه يختلف ، وما يقترن به في التعبد يختلف ؛ لأن ما يفعله تعالى على وجه المحنة ، يفعله على خلاف الوجه الّذي يفعله عليه إذا كان عقوبة . ومن يفعل ذلك به تختلف عبادته في الأمرين : فيلزمه في المحنة من التعبد ما لا يلزمه في العقوبة ، ويجوز منه في العقوبة ما لا يجوز منه في المحنة . فلا يمتنع أن يكون للواقع على أحد الوجهين من الحظ ما ليس للواقع على الوجه الآخر . فلذلك قلنا إنه تعالى يفعل ذلك على وجه المحنة للدليل الّذي قدمناه وإن كان مستحقا للعقوبة . وبعد ، فإن حال التكليف في أن المستحق من ثواب / أو عقاب لا يفعل فيها بمنزلة أحوال من ليس بمكلف « 1 » ، فلا بد من دليل سوى كون الألم مستحقا . فيعلم « 2 » به أن المفعول « 3 » هو المستحق . وتفارق حال التكليف أوقات الآخرة ، لأن تلك الحال هي الحال التي يفعل فيها المستحق . فيجب القضاء في الواقع في تلك الحال أنها مستحقة « 4 » . وهذا يوجب التفرقة بين الأمرين . وأما ما أمر به تعالى من إقامة الحدود على المصر ، فإنما حكمنا بأنه عقوبة لأنه مستحق العقوبة . لكن لدليل زائد ، وهو أنه واجب على الإمام أن يفعله على وجه الاستحقاق والإهانة . وللمحدود أن يجزع ولا يلزمه أن يصبر . فحصلت فيه أمارة العقوبة ، ولذلك « 5 » قضينا فيه بأنه مستحق .

--> ( 1 ) المقصود بهذه العبارة أنه لا فرق بين حال المكلف وغير المكلف في أن الثواب والعقاب المستحقين لا يفعل فيهما . ( 2 ) في الأصل فعلم به - وبه أتى بالدليل . ( 3 ) في الأصل المعقول والمراد المفعول أي الألم المفعول . ( 4 ) في الأصل أنه مستحق . ( 5 ) في الأصل فلذلك .