القاضي عبد الجبار الهمذاني

423

المغني في أبواب التوحيد والعدل

بإلزام المشاق ؟ فلو جاز ذلك لجاز أن يقال : إذا فعلوا ذلك يثيبهم بأنواع الثواب . فإن قالوا : كذلك نقول . قيل لهم : قد بينا أنه لا يستحق إلا بفعل ما يشق ، فلا يصح ما ذكرتم . وبعد ، فإنه تعالى إذا كان من أطاعه منهم يبقيه على حالته في الجنة وفي النعيم ، فكيف يقال إن ذلك ثواب وقد كان حاصلا في الأول على جهة التفضل ؟ ومتى قالوا : إن مثل الثواب قد يكون تفضلا ، لزمهم على ذلك أن مثل العقاب يكون محنة ولطفا . على أنه قد ثبت أن العاقل لا بد من أن يكون مكلفا بترك الظلم والغضب ، ورد الوديعة وقضاء الدين ، ولا يصح أن ينفك العاقل من وجوب ذلك . فيجب فيمن كلفه اللّه أولا أن يكون قد / كلف هذه الأمور . وقد علمنا ما على النفس من المشقة في الامتناع من تناول مال الغير وقصر النفس على ما تملكه من مال وتصرف في حرمه وغير ذلك . وكذلك فإنا نعلم ما يلحق النفس من المشقة في رد الوديعة والإنصاف . فإذا كان الفاعل يكلف أولا ما هذا حاله ، فكيف يجوز أن يقال إنه لم يكلف الشاق ثم كلف . وبعد ، فإن العقلاء في الأول لا بد من أن يعلموا أنهم متى عصوا استحقوا العقوبة وإن كان لا مشقة عليهم في الفعل . وهذا يوجب أن يلحقهم الغم لعلمهم بجواز إقدامهم على ما هذا حاله وخوفهم من العقوبة ، ويوجب أن يكونوا بهذا الفعل ظالمين لأنفسهم ، والظالم لنفسه لا بدّ من أن يغتم إذا فعل ذلك الظلم أو خشي أن يفعله . وهذا يوجب أن لا يتفكروا في المشقة في الابتداء . وبعد ، فإن العقلاء في الأول لو أن بعضهم أراد من غيره ماله وحرمه ، لوجب عليه أن يدفعه عن نفسه على بعض الوجوه بفعل ما يلحق فيه المشقة ، وقد كلف هذا . وهذا يوجب فساد ما قالوه .