القاضي عبد الجبار الهمذاني
389
المغني في أبواب التوحيد والعدل
به ولده من التأديب وغيره ، إنما يحسن لأن الوصول إلى ذلك لا يصح إلا به . وأما لو صح فيه ذلك من دون ما يحمله من التعب لقبح ذلك . ولذلك يقبح من الواحد منا أن يحمل ولده التعب العظيم لنيل العلم إذا علم أنه يصل إليه بتعب يسير ولذلك يقبح من أحدنا وقد حضر الطعام أن يتعب ولده لكي ينال ذلك الطعام ، لعلمه بأنه يتمكن من نيله دون التعب . وإذا كان تعالى قادرا على إيصال المنافع التي يقولون إنها أعواض إلى هذا العبد من غير أن يؤلمه ، فيجب أن لا يحسن الألم لأجله ، ويصير فعله لهذا النفع بمنزلة أن يفعله لا للنفع في أنه يكون ظلما . قيل له : قد يحسن من أحدنا أن يلزم الأجير العمل الشاق لأجرة معلومة ، وإن كان قادرا على أن يوصلها إليه ابتداء ، ولم يمنع ذلك من حسن إلزامه العمل لأجله . فكذلك لا يمتنع أن يحسن منه تعالى الآلام لأجل العوض وإن حسن منه أن يبتدئ به « 1 » . فإن قال : إنما حسن منكم ذلك في الأجير لأنكم تنتفعون بعمله وإلا كان عبثا ، أليس كذلك حال ما يفعله من الآلام لأنه لا يقع فيه سوى العوض ، فيجب أن يقبح لأجله ؟ قيل له : إن ما يفعله تعالى من الآلام للعوض يخرج من أن يكون ظلما ويحسن فيما يرجع إلى المؤلم ؛ ولكونه مصلحة ولطفا في التكليف يحسن ويخرج به من كونه عبثا ، فصار بمنزلة أن نستأجر الأجير على عمل فيه منفعة لغيرنا في أنه يحسن لأجل الأجرة ، ولأجل ذلك النفع لخروجه بالوجهين من أن يكون عبثا وظلما .
--> ( 1 ) أي يعطى العوض ابتداء بدون ألم .